الفلسفة الحديثة

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

الفلسفة الحديثة

مُساهمة من طرف سارة الشامي في الأحد مارس 14, 2010 3:19 pm

الفلسفـة الحــديثة


مقدمـة:

إذا كان الفكر الفلسفى كحصيلة للعقل الإنسانى عبر مراحل التاريخ المختلفة عبارة عن سلسلة واحدة مترابطة الحلقات إلا أننا نستطيع أن نلمح فى ثنايا هذا التطور الملامح الخاصة لكل مرحلة وما تمتاز به على المراحل التاريخية الأخرى، فثمت خصائص للفكر الفلسفى الحديث يتميز بها على التراث الفلسفى للعصرين القديم والوسيط ويمكن إيجازها فى ثلاث نقط رئيسية :

أولاً : نجد أن الفكر الفلسفى اليونانى تعلوه مسحة جمالية ، إذ أن اليونانى القديم أمن بالجمال وكذلك فقد ارتبط الدين اليونانى فى جملته بما يشتمل عليه من ألهه وألهات متعددة – بالفن والأدب والإنتاج الفكرى على وجه العموم وظهرت هذه النزعة الجمالية فى جميع نواحى الحياة اليونانية القديمة وحتى عندما انفصل الدين عن الفلسفة وتحرر الفكر الفلسفى من وطأة الميثولوجيا الدينية واستمر الفكر اليونانى أمينا على نظرته الجمالية للكون من حيث أنه وجود يتسم بالنظام والجمال واكتمال التكوين.

وإذن فقد كانت قيم الحق والخير والجمال مرتبطة فيما بينها أشد الارتباط فى العقلية اليونانية فلم يكن الخير الأسمى فى الفكر اليونانى شيئاً أخر غير الجمال الأعظم وكذلك فإن الرجل الفاضل هو الحاصل على الخير والجمال والعقل من وراء كل شئ يتحكم فى الطبيعة والإنسان إذ أن الحوادث والأشياء وسائر الموجودات بحسب تصورات هذا الفكر إنما تنظمها علل متداخلة مترابطة متناسقة.وكذلك إذ تناولنا العلم القديم عند اليونان فإننا ندرك لأول وهلة كيف أقامه العقل اليونانى على أساس نظرى عقلى واضح المعالم فمثلاً فى علم الفلك نجد أنه حينما اتضح لعلماء الفلك اليونان أن الدائرة أكمل الأشكال وأسماها وهو الشكل الدائرى ، أى أنه يتعين أن تكون حركة الكواكب والأفلاك دائرية وقد ربطوا مصائر البشر والاشياء بهذه الحركة الدائرية الفلكية.

من هذا يتبين لنا المنطق الفكرى الذى كان ينحو نحوه ويسير بمقتضاه المفكر القديم فى بحثه عن الحقيقة فهو يستدل ويتتبع القضايا إلى نتائجها المنطقية مهما كانت النتيجة التى يتأدى إليها فى استلاله فالمفكر اليونانى لم يمهد نفسه الكشف عن حقيقه حركات الأفلاك والكواكب فى السماء كما هى فى واقع الأمر ولكنه استند فى معرفه حركة هذه الأفلاك والكواكب إلى استدلال عقلى محض وكان هذا المفكر اليونانى يؤمن إيمانا عميقاً بالنظام والجمال وهما اللذان يلقيان الضوء على اجاه تفكيره أو بمعنى أخر يوضحان لنا كيف أن القيم وحدها هى التى كانت تحكم الواقع وقد استمر تحكم المثل الأعلى فى الفكر خلال القرون الوسطى ولكن بطريقة معدلة اتخذت طابعاً جديداً يسمح بتدخل الطابع اللاهوتى المسيحى فى الفكر الفلسفى والطابع الدينى الغسلامى أن يحاول التوفيق بين العقائد الإسلامية وبين الفلسفة ولهذا كان طابع هذه الفلسفة الدرينية عند المسلمين هو طابع التوفيق عند ابن راشد ولاشك أن هذه المحاولات الفلسفية الإسلامية للتوفيق بين الدين والعقل أو الفلسفة كان لها أثرها الذي لا يجحد علي فلسفة المدرسين Scholastics في العصر الوسيط. وقد لاحظنا ان القضايا التي ذاعت بين فلاسفة الاسلام والمتعلقة بالتوفيق بين الفلسفة والدين ستتردد عند المدرسين وستقوم بصددها مدارس مختلفة يتعصب بعضها للفارابي أو ابن سينا وبعضها الآخر لآراء ابن رشد والغزالي وابن ميمون.

وقد كانت عقائد الدين في القرون الوسطي موضوع تسليم يقيني عند المفكر المسيحي أو المسلم، ولهذا انحصر دور الفلسفة في الغالب في شرح مضامين هذه العقائد وإقامة الحجج والبراهين علي صحتها في نطاق قدرة العقل الإنساني الذي يعجز في نظر المسيحية عن تفسير حقيقة الأسرار المقدسة.

وعلي هذا فقد كانت الفلسفة خادمة للدين ومجرد أسلوب للإقناع العقلي بما سبق أن قبلناه بسلطة الإيمان.

أما الفلسفة الحديثة فقد غلب عليها الطابع العلمي، والتزام المحدثون من الفلاسفة بنزعة تجريبية في تفكيرهم واتجاهاتهم، فلم يصد في نظرهم ثمت مجال لتحكم القيم في الواقع لكي يكون ذلك دليلا علي صدق هذا الواقع، ولم يعد الدين يتدخل في فكر الفليسوف ليحد من حريته أو ليملي عليه حقائق الرحي المنزلي. وبذلك تكون الفلسفة في العصر الحديث قد تحررت من سلطة الكنيسة ولم تعد خادمة للدين، بل أصبحت خير معبر عن التقدم العلمي وحافزا علي الانطلاق الخلاق في سائر ميادين البحث العلمي.

بل إن الفيلسوف كان أكثر جرأة علي الواقع من العالم الطبيعي، إذ بينما نجد العالم يلتزم الدقة والموضوعية في منهجه فيتحري الواقع بتفصيلاته وجزئياته المختلفة ولا يسيتطيع أن يتدرج من هذه الجزئيات الي تعميمات كلية إلا بعد دراسة مستوعبة لهذه الجزئيات، نجد الفيلسوف في العصر الحديث يجمع النتائج المختلفة للعلوم الاجتماعية والطبيعية ويحاول أن يؤلف منها صورة واحدة للعالم ككل مترابط الأجزاء بحيث نجد في هذا الكل مكانا للقيم الفنية والخلقية والدينية التي تتمشي مع نتائج البحث العلمي المعترف بصحته.





الفلسفة الحديثة طابعها ومميزاتها


إن الفيلسوف الحديث يمتاز عن المفكر القديم والوسيط باتجاهه الي الواقع والاشياء الخارجية والموجردات جميعا يريد الاقتراب منها والتغلغل فيها ومعرفتها كما هي في حقيقتها، ثم يحول بعد هذا تنظيم حياته بطريقة تتفق مع هذه المعارف العلمية التي تسوقها اليه فروع المعرفة العلمية الحديثة.

إذن فالفلسفة الحديثة ذات طابع علمي It is scientific

ثانيا: كذلك الفلسفة الحديثة تمتاز بالطابع الفردي، وقد كانت مذاهب الفلسفة القديمة والوسطي تتعلق وترتبط بنظام سياسي أو أجتماعي معين، فقد عبر كلا من أفلاطون وأرسطو عن وجهة نظر المواطن الحر في مدينة يونانية حرة، وعندما فقدت المدن اليونانية استقلالها وجدت الفلسفة في المذهب الروقي تعويضا عن الاتجاه الي اعتبار المدينة أساسا للتفكير السياسي والاجتماعي عند اليونان، إذ أن الفلسفة الرواقية كانت تقول بأن العالم كله مدينة واحدة يجتمع فيه البشر والآلهة معا. وقد استمر كل من شيشرون وسنكافي في اعتتناق هذه الافكار وكان من نتائج ذلك ظهور القانون الروماني الذي ينظم المجتمع الروماني وهو وريث الحضارة اليونانية.

أما حياة الفرد في القرون الوسطي فإنها كانت تتحدد وفقا لنظام الكنيسة وتبعا لوضعه في كل نظام إقطاعي. وبمعني أخر لم يكن ثمة مجال لأي نزعة فردية حرة في مجال الفكر القديم أو الوسيط.

أما الفكر الحديث أو الفلسفة الحديثة فهي فردية، لأن الفليسوف المحدث عمل علي مواجهة الواقع، بنفسه واعتد علي فروضه وتجاربه واختبر منطق المناقشة بفكره لا بفكر الجماعة، وهو الي جانب ذلك لم يكن يخضع لسلطة الكنيسة او لسلطة الحكومة أو لأية سلطة تلزمه باعتناق فكرة لايقبلها، فالفيلسوف الحديث إذن كالفنان الذى يصور ويرسم فى حرية تامة حسب ما تمليه عليه انفعالاته ومشاعره الشخصية لا حسب ما يمليه عله الغير ، وذلك مع التزام التقاليد المرعية فى الفن والمجتمع فى عصره وعند الفنان والفيلسوف تكون الإصالة هى فى الدرجة القصوى من الأهمية أكثر من استحسان الجماهير أو موافقتهم للإنتاج الفنى أو الفلسفى.

ثالثاً : - الفكر الحديث أو الفلسفة الحديثة تمتاز عما سبقتها من الفلسفات بأنها تتضمن إنتاجاً دولياً فبينما نجد الفلسفة القديمة يونانية النشأة أى تعبر عن الحياة اليونانية وتنبع من الضمير اليونانى وتتصل اتصالاً وثيقاً بالجو اليونانى العقلى والشعورى نجد أن الفلسفة الحديثة ذات طابع دولى ، فعلى الرغم من أنها تختلف عن فلسفة القرون الوسطى فى أنها تعبر عن تفكير الأمم المختلفة ومشاعرها وحياتها العقلية إلا أنها فى نهاية الأمر وبعد عملية التأثير والتأثر التى تتداخل فيها المذاهب والتيارات الفكرية نجد أنها تصبح فى النهاية تراثاً إنسانياً دولياً تتناوله الأمم المختلفة بالنقل والترجمة هذا بينما نجد أن الفلسفة الوسطى كانت تكتب باللاتينية التى لا مجان فيها للطابع الفردى للفيلسوف أو لحياته ومشاعره ومميزات عصره.

ومن ناحية أخرى أيضاً فإنه بينما كان التفلسف مقصوراً على رجال الكنيسة فى القرون الوسطى نجد معظم متفلسفة العصر الحديث وقد شذوا عن هذه القاعدة فاشتهر فلاسفة من غير رجال الكنيسة ، وأصبحت الفلسفة الحديثة إنتاجاً يعبر عن حياة الشعوب وأمالها ومشاعرها بقطع النظر عن الدين والعقائدالمختلفة ، وهذا لايعنى اختفاء الفلسفات الدينية فلا زالت هناك امتدادات للفكر الدينى الوسيط كما سبقت الإشارة ، وذلك عند المدرسة التومية الجديدة وكذلك فيما يختص بتجديد الفكر الأشعرى فى العصر الحديث عند المسلمين وتجديد أفكار المعتزلة عند جمال الدين الأفغانى والشيخ محمد عبده مثلاً .

منهج دراسة الفلسفة الحديثة

تبين مما سبق أن الإنتاج الفلسفى الحديث يمتاز عما سبقة بالأثر الفردى الواضح أى بظهور شخصية الفيلسوف ونزعاته المميزة فى الإنتاج الفلسفى الخاص ، وعلى هذا فإذا أردنا ندرس مذهب أى فيلسوف من المحدثين فإنه يتعين علينا أن نضع نصب أعيننا ثلاثة شروط هامة : -

أولاً : دراسة العلاقة المنطقية بين مذهب الفيلسوف والمذاهب السابقة عليه واللاحقة له.

ثانياً : اعتبار الفيلسوف ممثلاً لعصره ومترجماً عن التيارات العلمية والدينية والأخلاقية والاقتصادية فى العصر الذى يعيش فيه وفى البيئة التى يترعرع فيها.

وثالث هذه الشروط وهو شرط من الشروط الهامة واهتمت به مدرسة التحليل النفسى المعاصرة وهو الاهتمام بدراسة حياه الفيلسوف الخاصة وشخصيته.

· ومن الناحية الأولى نجد أن الفيلسوف قد يعارض سابقيه ومع ذلك فهو يتأثر بهم تأثراً عميقاً وذلك كما نرى عند بيكون وديكارت فهماً قد عارضا المدرسيين ومع ذلك تأثراً بهم أيما تأثير.

وقد يتيع الفيلسوف أراء مدرسة سابقة علية ثم يخرج مذهبها ويصل به إلى أبعد مما كان يتصوره واضع هذا المذهب وذلك مثل محاولة كل من اسبينوزا وليبنتز بصدد مذهب ديكارت وكذلك نجد كلا من هيوم وباركلى وقد دفعا بمذهب لوك الحسى إلى نتائجه التى لم يتصور لوك نفسه وهو واضع هذا المذهب أن ينتهى إليها مذهبه ، من حيث أننا نجد أن هذه النتائج تتعارض فى النهاية مع مذهب لوك الأساسى.

وقد يحاول فيلسوف حديث أن يوفق بين تيارين متعارضين ن وذلك مثل محاولة كانط الذى أراد أن يربط بطريقة تركيبية بين المذهبين العقلى والحسى المتعارضين وقد حاول كل من هيجل وكونت السير فى هذا الإتجاه ونحن إذا كنا نضع أمام الذهن الفلسفى المؤرخ هذه الاتجاهات المنهجية فى التفلسف الحديث إلا أننا مع هذا يجب ألا ننسى فى خضم التيارات الفلسفسة المختلفة التى انحدرت إلى الفيلسوف أن تكون طابعاً شخصياً مميزاً ينفرد به كل فيلسوف عن الأخر وهو ما نسميه الأصالة.

ومن الناحية الثانية نجد أن ديكارت مثلاً قد عبر عن أسمى ما تنطوى عليه العبقرية الفرنسية من سمات بارزة وقد كان مثلاً يحتذى عند معظم المفكرين الفرنسيين الذين أتوا بعده واصطبغ الأدب الفرنسى والفكر الفرنسى على وجه العموم بتأثير ديكارت ولون فلسفته وفى انجلترا نجد جون لوك وقد أثرت كتاباته فى اتجاهات الفلسفة والدين والسياسة والتعليم وهكذا فالفيلسوف بالإضافة إلى أنه يمثل الانتاج الثقافى المركز لعصره ويترجم عن التراث فهو أيضاً يؤثر تأثيراً ضخماً فى ثقافة هذا العصر وفى ثقافات العصور التالية ويكون هذا التاثير متعدد النواحى فى جميع الفنون والأداب والعلوم وهذه خاصية تنفرد بها الفلسفة الحديثة عن الفلسفة فى العصور الوسطى.

ومن الناحية الثالثة أى من ناحية الحياة الخاصة للفيلسوف فإننا نجد أن الإنتاج الفلسفى يحمل دائماً المميزات الشخصية الخاصة بصاحبه فاسينوزا مثلاً الديكارتى المذهب وقد كان يهودياً مضطهداً عاش فى الفترة التى ذاق فيها اليهود فى أسبانيا مرارة التعذيب والتنكيل على أيدى محاكم التفتيش تلك المحاكم التى لم تكتف بجرائمها ضد اليهود بل استمرت فى أشنع صورها ضد مسلمى الأندلس نجده وقد أحال الجانب الالى فى فلسفة ديكارت إلى نوع من الفلسفة الروحية تلك الفلسفة التى تصلح دائماً لأن تكون تعويضاً أو بلمساً يشفى الجراح النفسية لذوى القلوب المكلومة ويضفى على النفس الأمن والسكينة .

وكان لمزاج كا من ليبنتز وفخته الشخصى وميلهما إلى حياة الكفاح والنشاط كان لهذا الميل الكبير أثره فى ظهور تلك النزعة التفاؤلية الواضحة عند كل منهما وكذلك فى تأكيدها لمعانى الخلود الإنسانى.

أما كانت Kant فإن تربيته الدينية البروتستانتية المتزمتة كان لها الأثر الكبير في ذلك التخطيط المنطقي الجاف المحكم الذي نلاحظه في مذهبه. وكذلك شوبنهور وقد كان عصبي المزاج ذا رغبة جامحة في طلب النجاح مع عزوف طاهر عن العمل لتحقيق هذه العملية وقد تأدي به ذلك الي التشأوم الواضح في مذهبه.

وإذن ففلسفة كل مفكر هي خلاصة تجربته الحيوية مع ما تفاعل معها من عناصر سابقة ومعاصرة لها، فمذهبه إذن يترجم حياته ويعبر عن مزاجه وشخصيته.

وقد ذكرنا قبل ذلك ان دراسة المذهب أصبحت تتجه الي الناحية السيكولوجية والسوسيولوجية أي التفسير النفسي والاجتماعي لحياة الفيلسوف وظروفه الخاصة والعامة مع ما يتصل بهذا من أمزجة وثقافات خاصى بالامم والشعوب المختلفة بحيث أصبحنا نفرد أبحاثا في الفلسفة الحديثة لمدراس فلسفية ذات ملامح قومية كالمدرسة الانجليزية والمدرسة الفرنسية والمدرسة الالمانية والمدرسة الامريكية رغم إيماننا بوحدة العقل الفلسفي وترابطه وتمام تعبير هذا التراث في كلية وشمول عن الفكر الإنساني في وحدته المطلقة.

المراحل الرئيسية لتطور الفكر الفلسفي الحديث

لا يمكن أن نحدد بالضبط تاريخيا معينا لانتهاء الفلسفة المدرسية وان نعين بدقة تاريخا آخر نحدد فيه بداية الفلسفة الحديثة، وذلك من ناحيتين:-

الناحية الأولي:- أن التيارات الفكرية لا يمكن أن تحدد بتاريخ معين محدود لأنها تيارات متداخلة متشابكة وليست كالحوادث والوقائع التاريخية التي تحدد بزمان ومكان معينين.

الناحية الثانية :- نجد ان الفلسفة القديمة والفلسفة المدرسية لا زالتا بالفعل يؤثر كل منهما في الفكر الحديث بل وفي الفكر المعاصر، فمثلا المدرسة التومية الجديدة وهي التي تحيي آراء القديس توما في العصر الحديث، ولا زال لها اتباع في هذا النصف الاخير من القرن العشرين وأن اتباعها يحاولون تطويرها بحيث تتمشي مع الاتجاهات الفكرية الفلسفية المعاصرة. وكذلك الحال فيما يختص بالموقف الفلسفي القائم حول المعتقدات البروتستانتية.

وإذن فثمة رواسب مدرسية لا تزال تعمل اثرها في تيارات الفلسفة الحديثة والمعاصرة، وكان من الممكن القول بأن الفلسفة الحديثة قد بدات حينما حاول مفكر مثل روجربيكون ان يفكر بطريقة مستقلة متحررا من الآراء السابقة والمعتقدات الدينية. ولكن بيكون هذا بالرغم انه نقل الي العالم الغربي التجربة العربية العلمية في مجال العلم والفلسفة، ورغم أنه نقل المنهج العربي العلمي أو خلاصة المنهج الاسلامي في الطبيعة أو في الفلك أو في غير ذلك من العلوم كما فعل ذلك أيضا غيره من السابقين عليه من المدرسيين بحيث كان هذا كله الاساس الوطيد الذي أقام عليه كل من فرنسيس بيكون وديكارت فيما بعد طريقتهما المنهجية والعلمية، ورغم هذا كله فإنه يقال إن روجر بيكون لم يكون له تأثير كبير علي المعاصرين له أو الملاحقين له، ولهذا لا يمكن أن نؤرخ البداية الفعلية للفلسفة الحديثة بمذهب روجر بيكون.

ومن الممكن أيضا ان تعد حركة إحياء افلاطون عند المفكرين الايطالين في فلورنسا بداية للتفلسف الحديث. فقد حاول هؤلاء الافلاطونيون أن يفسروا نصوص أفلاطون علي ضوء الفكر اليوناني الأصيل متحررين من الفلسفة المدرسية التي كانت تفسر النصوص الافلاطونية تفسيرا دينيا. وربما كان من الممكن أيضا بناء علي هذا الرأي أن نحدد تاريخا معينا لبداية الفلسفة الحديثة بطريقة تحكمية تعسفية، فنؤرخ لها بسقوط القسطنطينية علي يد الاتراك حينما هاجر من بقي من علما بيزنطية اليونان الي ايطاليا وبدأوا مع الافلاطونوين في فلورنسا حركة جديدة لبعث الفكر اليوناني في جملته غير مقتصرين علي افلاطون وحده. وهذه الحركة حركة احياء التراث القديم في عصر النهضة كانت تعني تنقية النصوص الكلاسيكية في الفلسفة اليونانية من الشوائب الهللينية والمدرسية علي السواء، تلك الشوائب التي أقحمها الشراح السريان والمدرسيين علي النصوص اليونانية والتي جاء غيرها نتيجة التفاعل الذي تم بين النحل الدينية والصوفية كالغنوصية والهللينية والصابئية، تلك النحل التي كان يموج بها الشرق الأوسط في الفترة التي تلت عصر الانارة اليوناني مع ما تاثرت به هذه المذاهب اليونانية من آراء شرقية ودينية وغير ذلك.

وإذن فحركة الاحياء حركة رجوع الي المنابع الاصلية للفلسفة اليونانية وتحظ لهذه الفترة الطويلة التي شوهت فيها الفلسفة اليونانية.

وكان هناك عنصر جديد في هذهالحركة يتمثل في ظهور النصوص المترجمة الي اللاتنية عن العربية من مدرسة طليطلة ومن جنوبي فرنسا حول تولوز وكذلك من شمالي ايطاليا حيث كانت قد نشطت حركة النقل من العربية الي اللاتنية منذ القرن الحادي عشر الي القرن الثالث عشر فوضعت النصوص والترجمات اللاتينية التي جاءت عن العربية في مقابل النصوص الاصلية وأصبحت هناك ثلاثة مصادر للاصل اليوناني: الأصل الذي نقله العلماء الفارون من بيزنطة بعد الفتح، والنص اللاتيني المدرسي ثم النص العربي، ولهذا فقد كانت حركة التنقية هذه بمثابة دراسة مقارنة للتراث اليوناني.

يمكن إذن بناء علي هذا الراي التحكمي الذي سقناه (وهو بداية التفلسف الحديث تتفق مع تأريخ بداية الواقع التاريخية الحديثة بسقوط القسطنطية) أن نقسم المراحل الفلسفية الي ثلاث:

1- المرحلة الأولي : وتبدأ من سنة 1453 م وتسمي بعصر النهضة وتنقسم هذه المرحلة الي فترتين:

الاولي وتسمي الفترة الانسانية : وتبدأ من سنة 1453م وتستمر الي سنة 1600 اي الي تاريخ وفاة جيوردانو برونو وقد تركزت زعامة الحركة الفلسفية في هذه الفترة في ايطاليا حيث توجد النصوص اللاتنيية واليونانية التي كانت محورا للتفلسف خلال هذا الشطر الاول من هذا العصر هذا بالاضافة الي ما كان قد تجمع في هذه المنطقة خلال هذه الفترة من رصيد علمي حديث متواضع أسهم فيه الرعيل الأول من علماء إيطاليا بنصيب وافر.

الفترة الثانية : وتستمر من 1600 الي 1690م وهذا العصر هو العصر المزدهر الذي ذاعت فيه فلسفة كل من فرانسيس بيكون وتوماس هويز في انجلترا ثم فلسفة ديكارت واسبينوزا في القارة.

وقد قلد معظم هؤلاء الفلاسفة العلماء الطبيعين المعاصرين لهم سواء في المنهج أو في الاراء العلمية، وقد ساهم بعضهم بالفعل في الحركة العلمية الحديثة وأضاف الشئ الجديد إلى المحصول العلمى فى الرياضة وفى العلم الطبيعى ، وكان هؤلاء الفلاسفة المحدثون الأوائل يؤمنون جميعاً بقيمة الفلسفة وأثرها فى الناحية العلمية ويرون أن وظيفة الفلسفة الأولى هى الكشف عن طبيعة الواقع وأنها تستطيع أن تثبت قدرتها وفاعليتها فى هذه الناحية.

وعلى الرغم من اهتمام فلاسفة هذه الفترة الثانية من عصر النهضة بالحركة العلمية فى إبانها إلا أن بعضهم قد حاول محاولة جدية لإحكام الصياغة المذهبية فوضع مذاهب كاملة متسقة وذلك مثل ليبنتز.

وعلى الرغم من أن هذه الفترة تنتهى تاريخياً سنة 1690 إلا أن بعض فلاسفتها مثل ديكارت استمر تأثيرهم الكبير على كثير من الفلاسفة حتى القرن العشرين.

2- المرحلة الثانية : أما المرحلة الثانية من المراحل الرئيسية لتطور الفلسفة الحديثة فهى مرحلة عصر الإثارة وتبدأ هذه المرحلة بنشر كتاب لوك سنة 1690 " مقال فى العقل الإنسانى " ، ونجد من كبار المفكرين فى هذه المرحلة غير لوك فى انجلترا روسو وفولتير من فرنسا ولم يكن هؤلاء الفلاسفة من النوع الذى يجيد صياغة المذهب الفلسفى الكامل كسابقيهم وكانوا يعتقدون أن النوع الإنسانى هو الجدير بالدراسة الفلسفية والعلمية وليس الكون والوجود كما كان يفعل المدرسيون وفلاسفة عصر النهضة وقد كان هؤلاء المفكرون بما أذاعوه من النقد والشك فى المعرفة من أقوى عوامل الهدم للخرافات والأساطير .

ومن الناحية السياسية كان هؤلاء الفلاسفة من المدافعين الأقوياء عن الحرية الفردية وحقوق الإنسان ، وقد تأثر تفكيرهم فى ذلك بالثورة الإنجليزيةسنة 1688 وكان إنتاجهم الفكرى ذا تاثير بالغ فى العالم الغربى ويعد هذا الانتاج أحد الأسباب الفكرية لقيام الثورة الأمريكية سنة 1776 والثورة الفرنسية سنة 1789 وقد وجد بعض المؤرخين أن أن هذه المرحلة الثانية من مراحل الفلسفة الحديثة تنتهى سنة 1781 أى حينما بدأت حركة فكرية جديدة فى ألمانيا وهى الحركة الرومانطيقية ، ولكن الواقع أنه لا يمكننا أن نضع تاريخاً معينا لانتهاء هذه المرحلة الثانية لأن عصر الإنارة يمتد خلال القرنين التاسع عشر والعشرين وذلك عند المفكرين من أمثال جيرمن بتنام وأوجست كونت فى القرن التاسع عشر ثم وليم جيمس فى القرن العشرين.

3 – المرحلة الثالثة: وهى المرحلة المثالية ويؤرخ لهذه المرحلة ابتداء من ظهور كتاب كانت " نقد العقل الخالص " سنة 1781 وتنتهى هذه المرحلة بوفاة هيجل سنة 1831.

وقد ظهرت فى هذه المرحلة أصالة الفكر الألمانى وعمقه ، ويلاحظ بصفة عامة أن التيارات الفلسفية فى هذه المرحلة كانت تتجه فى مجملها إلى تفسير الوجود تفسيراً روحياً وإعتبار الكون تعبيراً عن نشاط أو فاعلية روح كلية أو عقل كلى . وقد كان لهذه السمة الغالبة على إنتاج هذه المرحلة الفلسفية تأثيراً كبيرا على الأدب والشعر بصفة خاصة ، ولهذا فقد صاحبت هذا التيار الروحى الفلسفى تيارات الحركة الرومانطيقية الكبرى فى الأدب حيث بلغت القمة عند جوته وشللر وغيرهما ، وعند شعراء الإنجليز من أمثال ودورث وشيلى وكولردج ، وأيضاً فى أمريكا عند إميرسن ، وكان هؤلاء الشعراء والأدباء يعبرون فى الغالب عن أفكار وأراء الفلاسفة الألمان فى هذه المرحلة الرومانطيقية التى كان لها أبلغ الأثر فى تشكيل حياة البشر وأرائهم الفلسفية والفنية.

وقد استمر تأثير النزعة المثالية فى الفلسفة حتى نهاية القرن التاسع عشر ولا سيما فى انجلترا عند برادلى مثلاً فى إيطاليا عند كراتشى ومدرسته.

وقد اتفق مؤرخو الفلسفة على تسمية الفترة التى تلت وفاة هيجل بمرحلة الفلسفة المعاصرة وفى هذه المرحلة المعاصرة نجد تيارات فكرية تنحدر من مختلف التيارات الفلسفية السابقة غير أننا نجد فكرة هامة لها السيطرة والغلبة فى هذه الحقبة المعاصرة وهى فكرة التطور وقد أصبح لفكرة التطور هذه من الناحية الفكرية تأثير كبير على الفكر الفلسفى المعاصر ، وتدخلت فى مختلف العلوم كعلم الفلك وعلم طبقات الأرض وعلم الأحياء وقد كان لهذه الفكرة الجديدة أيضاص أثر واضح المعالم فى مناهج التفسير العلمى للتاريخ وفى سائر المناهج العلمية الأخرى فلم يقتصر تأثيرها على العلوم التى تدرس الكائنات الحية وحدها كما قد يفهم من التطورية الداورنية وإذن فحركة التطور هذه أصبحت أساساً لكل تفسير سواء كان علمياً أم فنياً.

ويلاحظ بصفة عامة أن الفلسفة الواقعية الجديدة والفلسفة البراجماتية قد أحرزتا مزيدا من الذيوع والانتشار ولاسيما في انجلترا وامريكا. هذا بالاضافة الي ظهور مدرسة التحليل المنطقي عند جرين ومور وبرتراندرسل وغيرهم في انجلترا.

واما في فرنسا وألمانيا فإننا نجد تيارات شتي متعارضة أو متداخلة او رسوبية وذلك كمذهب الظواهر عند هوسرل وتلميذه هيدجر الذي تفاعلت في فلسفته آراء مذهب الظواهر وتيارات الفكر الوجودي، ثم نجد الوجوديين من امثال كيركجارد الدانماركي وجبريل مارسيل وجان بول سارتر ومرلوبونتي علي اختلاف نزعاتهم بين الايمان والالحاد.

ثم نجد في فرنسا ايضا تيارا آخر يعد تجديدا للمذهب الروحي ويتمثل في موقف كل من إيميل بوترد وهنري برجسون وعلي هذا يمكن أن حدد مراحل تطور الفلسفة الحديثة كما يلي:

1- عصر النهضة وينقسم الي فترتين

أ- الفترة الانسانية: وتبدأ من سنة 1453م لتنتهي بوفاة جيوردانوبرونوً 1600م.

ب- فترة العلم الطبيعي: وتبدأ من سنة 1600م وتستمر الي سنة 1690م ويبرز فيها بيكون وهوبز وديكارت وسبينورا وليبنز.

2-عصر الانارة : ويبدأ من سنة 1960م ويستمر الي سنة 1781م ونجد في هذا العصر لوك وباركلي وهيوم.

3-عصر المثالية: من سنة 1781 ويستمر الي سنة 1831م ويمثل العصر إيمانويل كانت وفخته وهيجل.

4-المرحلة المعاصرة: وتبدأ من سنة 1831 وتستمر الي وقتنا هذا، ونجد في هذه المرحلة شوبنهاور وأوجست كونت وجون ستيوارت ميل وهربرت سبنسر ونيتشه ورويس ووليم جيمس وسنتيانا وبرجسون وصمويل الكسندر وهوسرل وكيركجارد وهيدجروسارتر وجبريل مارسيل وميرلوبونتي ورسل وجرين ومور وبرادلي وبوزنكيت وكروتشي وإيوبر وويزدوم...ألخ

المرحلة الأولي
التيارات الفلسفية في عصر النهضة


نشاة الفلسفة الحديثة

أ-اضمحلال الفلسفة المدرسية وظهور المذهب الانساني

نحن نعرف أن القديس توما (1225-1274) كان أعظم ممثليب الفلسفة المدرسية وانه حاول التوفيق بين أرسطو وتعاليم الدين المسيحي أو بمعنب أخر حاول أن يفسر أرسطو بطريقة تجعله يتفق مع العقيدة المسيحية ولهذا فقد خرج علي مذهب أرسطو في كثير من مواضعه لانه كان يضع نصب عينيه الحقيقة المدرسية الكبري التي كان علي الانسانين أن يهزوها هزا عنيفا هذه الحقيقة القائلة بأن العقل يجب ان يخضع لسيطرة النصوص الدينية وما تتضمنه من اراء. ولم يلبث هذا الاتجاه المدرسي ان أخذ في الانكماش والتراجع حينما برزت معالم حركة الاحياء واتجه المفكرون الي اغتراف التراث اليوناني الخاص من منابعه الاصلية.

ويمكن تلخيص العوامل التي أدت البي تدهور الفلسفة وظهور المذهب الانساني فيما يلي:

أولا: حدوث انشقاق في مذاهب الفلسفة المدرسية نفسها وخصوصا بعد ظهور الفرنسكان ومن بينهم جون سكوتس سنة 1308م وهؤلاء الفرنسكان كانوا علي طرفي نقيض مع طائفةالدومينكان هؤلاء الذين ينسبون الي القديس توما.

وكان جون سكوتس يقول بحرية الارادة وحرية الخلق معارضا في ذلك موقف القديس توما وجاء فرنسكي أخر وهو وليم الأوكامي 1332م وكان يعتنق المذهب الاسمي وهذا المذهب كان معارضا أيضا لموقف القديس توما.

ثانيا: احساس مفكري الفترة الاخيرة من القرون الوسطي بضعف الفكر الانساني وعجزه عن تفسير الاسرار وحقائق الدين العليا ولهذا فقد اتجهوا الي تجاوز هذه الاسرار أي الي تجنب الخوض فيها والاتجاه المباشر الي العالم الخارجي للبحث عن الحقيقة بعيدا عن سيطرة الدين وحينذلك بدأ عصر الملاحظة والتجربة والاستدلالات التجربية. بدأ كل هذا يظهر ليكون إعداد ليصاغة المنهج الجديد الذي يعد بالفعل ثورة علي الدين وعلي المفاهيم المدرسية المتعارفة فبعد أن كان الفليسوف يحاول التوفق بين الفلسفة والدين نجده الان في نهاية عصر انتشار الفلسفة المدرسية وبداية عصر النهضة، يقبل طواعية ازدواج الحقيقة، فالحقيقة في نظهره وجهان متعارضان: وجه ديني من شئون الكنيسة ومجال اختصاصها ووجه واقعي هو الذي يتجه اليه المنهج الجديد المسمي بمنهج الملاحظة والتجربة ولم يكن هذا التحول سهلا هينا بل لقد وجه مواجهة عنيفة من قبل الكنيسة وعلي الاخص في هذه الفترة التي اشتدت فيها سطوة محاكم التفتيش وديوان الفهرست.

ثالثا: وتعد حركة احياء الاداب القديمة أيضا من اسباب تدهور الفلسفة المدرسية وقد اتخذ شراح هذه الاداب طريقا مستقلا عن الدين يتناولون بمقتضاه نصوص فلسفة اليونان ويشيدون بما فيها من مبادئ خلقية واجتماعية وجمالية علي الرغم من انها تعبر عن اراء مفكرين وثنين كأفلاطون وأرسطو ولهذا فان هذه الفترة تعتبر بحق المرحلة التي وجه فيها النظر الي الفكر الانساني لذاته منفصلا عن الدين. قامت اذن الحركة الانسانية علي انقاض الفكر المدرسي ولكن هذه الحكرة كان لها عيواب ومميزات، ومن مميزاتها انها استغلت التراث الفلسفي القديم بطريقة تتمشي مع روح العصر فقد كان رجالها يستخدمون الفلسفة القديمة في سبيل توسيع مداركهم وزيادة فهمهم للعالم والانسان وتمكينا للبشر من السيطرة علي الطبيعة.

علي أنه كان لرجال هذا العصر الجديد عيوب منها: انهم ظلوا يعتقدون كالفيثاغوريين والمدرسيين في الخواص السحرية للاعداد وكذلك فقد كانوا يؤمنون بالسحر والتنجيم والخرافات فصدقوا القول بتاثير حجر الفلاسفة وقدرته علي شفاء الامراض وقالوا ايضا بامكان تحويل جميع المعادن الرخيصة الي ذهب وهي مشكلة الكيمياء السحرية المعروفة في العصور الوسطي.

وعلى الجملة فلم يكن فى استطاعة عصر النهضة التخلص من الخرافات والأساطير التى ذاعت فى القرون الوسطى ولم يتحقق ذلك تماما إلا فى العصر الغنارة ويلاحظ من ناحية أخرى أن اتجاه أوائل المحدثين إلى أساليب المنهج العلمى الجديد كان عشوائياً متعثراً بينما كان المنهج القياسى المدرسى قد وصل فى هذه المرحلة إلى ذروته ، وبالفعل لم يكن المنهج الاستقرائى الجديد قد اكتملت عناصره بعد غذ أنه كان فى بدايتة الأولى ، وعندما تجمعت عدة ملاحظات وتجارب جديدة وظهرت بعض الاكتشافات والمبتكرات كنتيجة لاستخدام هذا المنهج الجديد القائم على الملاحظة للظواهر الطبيعية أحس المفكرون ورجال العلم بخصوبة هذا المنهج الجديد ، ومن ثمة تاكدت قيمته وظهر أثره الجديد المواضع بالنسبة للاتجاهات العلمية.

ومن بين الكشوف والمبتكرات الحديثة التى دعمت منهج الملاحظة والتجربة الجديد ، اختراع البوصلة ثم اختراع البارود والطباعة ، وكان لهذا كله – بالإضافة إلى النزعة الانسانية المتجهة إلى إحياء الأداب القديمة بمعزل عن الدين – أثره الواضح فى قيام حركة الإصلاح الدينى البروتستانتى بزعامة مارتن لوتر فلقد البروتستينية بالفعل على اساس تفسير النصوص الدينية بمعزل عن أراء المجامع الدينية التى كانت تحد أفاق هذا التفسير وتمنع أى مجتهد من إيراد أى تفسيرات أخرى غير ما تجيزه هذه المجامع واباء الكنيسة.

وقد ساعد أيضاً على تثبيت دعائم المنهج الجديد ظهور علماء مثل فيساليس هذا الذى لم يستند إلى أراء القدماء من امثال جالينوس فى مجال التشريح والطب ، بل طبق منهج الملاحظة والوصف فى ميدان التشريح ، وبدأ بنفيه يشرح أجزاء الجسم ويصف ما فيه من مواضع وصفاً دقيقاً مباشراً وفى مجال علم الفلك _ الذى كان مدار اهتمام العلماء فى القرون الوسطى وفى عصر النهضة ظهر ثلاثة من كبار رواده وهم كوبرنيقش وكبلر وجاليليو هؤلاء الذين طبقوا منهج الملاحظة وذلك باستخدام التلسكوب الذى توصل إليه جاليليو وعلى العموم فقد كان الاهتمام موجهاً فى هذا العصر إلى العلم الألى وإلى إحكام سيطرة الإنسان على الطبيعة وفصل الفلسفة عن الدين.

ويمكن أن نرجع خصائص عصر النهضة فى جملته إلى النزعتين هما بإختصار :

النزعة الأولى : المبالغة فى العناية بالعلم الألى وتطبيقاته العملية التى تمكن الإنسان من السيطرة على الطبيعة وزيادة رخائه ورفاهيته.

النزعة الثانية : النزعة الثانية هى الشعور بالشخصية الفردية المنفصلة عن الدين وعن الدولة ، تلك الفردية التى ظهرت فى عنفوانها فى مسائل الأدب والسياسة بصفة خاصة وكذلك فى الدين عند مدرسة مارتن لوثر.

ب-الاتجاهات الفلسفية خلال الفترة الانسانية :

إذا كان مطلع الفكر الحديث قد صاحبه نهوع من التعثر الناشئ عن عدم وجود معنى محدد للعلم ، فإن ذلك إنما يرجع إلى ما كان يموج به مطلع العصر الحديث من مذاهب مع ما كانت تحله هذه المذاهب من الرواسب الفكرية المدرسية.

المرحلة الثانية
المواقف الفلسفية في عنصر الإنارة
عصر الإنـــارة


لاحظنا أن مناهج البحث العقلي التجريبي قد قطعت شوطا بعيدا في التقدم خلال مرحلة العلم الطبيعي من عصر النهضة فظهرت مذاهب جديدة ومواقف تتبني هذه المناهج التقدمية وتلتزم بحدودها فنراها تعين مجال انتشار الموضوعات الرئيسية في البحث الفلسفي وهي الألوهية والانسان والعالم وترسم لكل منها دورا خاصا لا يتجاوزه في حدود قدرة العقل ومطالب التجربة.

ولكن هذا الاتجاه قد تكشف عن صعوبات مذهبية متعددة كانت سببا لظهور موجات شديدة من النقد في نهاية القرن السابع عشر وقد تمثل هذا النقد في حملة مركزة ضد عملية البناء المذهبي المحكم اي أن هذه الثورة العنيفة أنصبت علي أسلوب الفلسفة التقليدي الذي كان يحتم صياغة المذاهب الكاملة لتفسير الوجود استنادا الي دواعي العقل والمنطق فيما لايمكن أن يكون موضع معاينة او رصد واقعي وعلي هذا فقد كانت الفلسفة التقليدية تبدأ بدراسة الاسلوب الفلسفي القديم وأظهروا عجزه عن تقديم تفسير واقعي للكون قبل إلقاء الضوء علي الانسان ومداركه ذلك ان الانسان أقرب الينا من الكون ومظاهره.

وإذن فقد تمخضت هذه الثورة الفكرية الحديثة عن اتجاه غالب الي دراسة الانسان واعتباره المشكلة الاساسية في الدراسة الفلسفية وبعني اخر اصبحت الإبستمولوجيا هي الميدان الخصب الجديد للفلسفة واحتلت الأنطزلوجيا مركزا ثانويا وذلك علي عكس الاتجاه الفلسفي التقليدي القديم.

وإذا كانت الفلسفة الديكارتية تعد بداية الطريق في مجال الإبستمولوجيا إلا ان ديكارت لم يتعمق بما فيه الكفاية في بحث مشكلة أبعاد المعرفة الانسانية وحدودها وعلاقة قوي الادراك بموضوعات الادراك.

ولقد تميز عصر الانارة بالاهتمام بهذا المبحث ولاسيما منذ ظهور كتاب لوك "مقال العقل البشري" عام 1690 وقد انتهي عصر الانارة بظهور كتاب كانت Kant "نقد العقل الخالص" عام 1781.

وعلي الرغم من تاثر فلاسفة الانارة بفلسفة ديكارت إلا معظم هؤلاء الفلاسفة كانوا من اتباع المذهب الحسي وقد كان هذا اتجاها تفرضه روح العصر الذي غلبت عليه الترجمة التجريبية ومن ناحية آخري فان البحث في مشكلة الانسان تقضي التعرض لدراسة قواه الادراكية ولما كان الاحساس هو اول درجات المعرفة بل هو النافذة الاولي التي يطل منها الانسان علي العالم الخارجي حسب ما يقضي به الراي الشائع لهذا فقد التزم فلاسفة الانارة بالاستناد الي المعرفة الحسية كمصدر اولي لمعرفة الانسان بالعالم الخارجي علي الرغم من ان المعطيات الحسية قد يتناولها العقل بالتحليل أو التفسير أو بالنقد إذ ليست معطيات الحس المباشرة سوي مادة أولية صالحة للتشكيل وعلي هذا فإن المبادرة الأولية للفليسوف تتمشل في الصياغة الفلسفية التركيبية لهذه المعطيات ومن ثم فقد ارتبطت فلسفة العصر بعلم النفس وبالفسيولوجيا.

ومن ناحية أخري فاننا نلاحظ اهتمام فلاسفة الانارة بالدفاع عن حقوق الافراد وحرياتهم الخاصة والعامة وأهمها حق الحياة وحق الملكية الخاصة وحق الحرية ولهذا فقد طالبوا بحرية الفكر وحرية التعبير والنشر حتي تزول جميع العراقيل التي كانت تعترض طريق الباحثين والمفكرين الاحرار وكان عليهم تحقيقا لذلك أن يهاجموا تدخل الكنيسة او الدولة وأن ينتقدوا سلطتها المكلفة في شئون العقيدة والسلوك وكان من تاثير هذه الحركات والاتجاهات أن اتنتشرت افكار الحرية في كل مكان واشتدت المطالبة بقيام حكومات شعبية وديمقرلطية تتصدي للدفاع عن حقوق الانسان.

ولقد بدات هذه الحركة في انجلترا وذلك اذا اعتبر ثورة 1666 ضربا من الممارسات الفعلية لحق الشعوب في اختيار ما تشاء من أشكال الحكم ونظمه. ولقد كانت ثورة انجلترا مصدر وحي والهام لاعداء الثورتين الامريكية 1776م والفرنسية 1789م.

وعلي هذا فأن عالمنا الحديث مدين الي حد كبير لعصر الانارة بما ابتدعه من اراء تقدمية علي المساواة والحرية السياسية وحق الشعوب في الاستقلال والحرية الاقتصادية والتسامح الديني وشجب التميز العنصري والمناداة بحرية الفكر والنشر والايمان بالقومية وإمكان التقدم الاجتماعي ونبذ الخرافات والعرافة والسحر والتنبؤ بالمستقبل وتسخير الارواح والاشباح وابتداع مناهج جديدة في التربية.

ولقد أشرق بالفعل نور العقل علي هذا العصر الذي تميز بتحكيم العقل في كل شئ وحتي في أمور الدين بحيث اعتبر بحق مرحلة اشراق وتنوير تمكن الذهن الانساني خلالها من ان يطهرنفسه من رواسب الماضي واوهامهوغيبياته التي تراكمت علي صفحاته فكادت تحجب بهاء بريقه وسطو نظراته الفاحصة المتعمقة0

ومما لاشك فيه أن الفليسوف جون لوك كام الرائد الاول في حركة الانارة وقد تأثر به فلاسفة الحرية الفرنسيين من أمثال فولتير في ارائه عن الحرية والتسامح ومونتكير في نظرينه عن فصل السطات وجان جاك روسو في العقد الاجتماعي.

المرحلة المثالية

تبدأ المرحلة المثالية في تاريخ الفلسفة الحديثة باصدار كانت لكتابه نقد العقل الخالص سنة 1781. وقد قيل بأن كانت أحدث بهذا الكتاب ثورة في ميدان الفلسفة لا تقل اهمية عن الثورة الكوبرنيقية في ميدان الفلك، بل إن كلا الموقفين موقف كانت وكرببرنيق يشبهان بعضهما البعض في نواحي كثيرة فكما كان كوبرنيق قد أثبت أن التغيرات التي تطرأ علي الكواكب لا تشير الي أن هذه الكواكب تتحرك ونحن ثابتين علي سطح الارض كما كان يعتقد القدماء أو بمعنب آخر ان الارض هي مركز المجموعة الشمسية وانه يفترض في ان المشاهد لهذه المجموعة وهو واقف علي سطح الارض يفترض أن ساكن وأنها هي التي تتحرك ولكن الواقع كما أثبت كوبرنيق أن هذ هالحركة التي نشاهد عليها الكواكب والاجرام السماوية إنما ترجع الي اننا ونحن نلاحظ هذه الاجرام نشاهدها ونحن علي سطح الارض تلك الارض تلك الارض التي تتحرك حول نفسها وحول الشمس وإذن فتغير اوضاع الكواكب والاجرام السماوية بالنسبة لنا لا يرجع الي حركة هذه الاجرام ولكن يرجع بصفة اساسية الي حركة الارض التي تحملنا ونشاهد نحن علي سطحها هذه الاجرام. وربما شبهنا هذا الموقف بموقف راكب القطار الذي يتحرك به القطار مسرعا ومع ذلك يحس بأن اعمدة التليفون المقامة علي جانب طريق القطار تتحرك الي الوراء في عكس الاتجاه أي انها تتحرك في نظرنا والواقع انها ثابت كما نعرف والذي يتحرك هو القطار الذي يحمل مشاهد هذه الظاهرة.

كذلك فعل كانت في ميدان المعرفة فكما أن الحركة التي نلاحظ عليها الكواكب ليست بالفعل الانتيجة لتأثير حركة الارض التي نعيش عليها فكذلك موضوعات العالم الخارجي لا تحمل في ذاتها الصفات التي نشاهدها عليها ولكن الذهن الانساني والادراك الانساني في جملته هو الذي يؤسس حقيقة هذه الموضوعات الخارجية، أو بمعني اخر ليس موضوع المعرفة مستقلا عن الذهن العارف بل هو نتيجة لادراك هذا الذهن فلكي ندرك أي موضوع خارجي يجب أن يطابق هذا الموضوع تركيب عقولنا ومعني هذا ان الموضوعات التي لا يتفق تركيبها مع تركيب الذهن أو أدوات الادراك الانساني هذه الموضوعات نعتبرها غير موجودة بالنسبة لنا ولو عن طريق النظر والمعرفة وذلك مثل أشعة الطيف مثلا فنحن قد لاندركها الا من خلال منشور زجاجي أما اذا لم يكن يتهيأ لنا تصميم مثل هذا المنشور فإنها ستكون بالنسبة لنا غير ذات موضوع لان احساسنا البصر غير معد لرؤية وإدراك ألوان الطيف وحده بدون مساعدة من خارج، وكذلك الحال فيما يختص بدرجات الحرارة العالية جدا والمنخفضة جدا فإن احساسنا ليس معدا لادراكها ولهذا فاننا نستعمل الالات للكشف عنها.

ونفس الامر ينطبق علي الموجودات الروحانية السامية فإن عقلنا ليس معدا لادراكها ومن ثم في ليست موجودة بالنسبة لنا من حيث النظر العقلي علي الاقل. وأذن فكل من كوبرنيق وكانت يلحق بالعقل الانساني صفات وخصائص كان السابقون عليها يلحقونها بالعالم الخارجي وحتي قوانين الرياضيات وقوانين الطبيعة عند كانط يجب أن يكونمصدرها العقل وان تسند صحتها الي تركيب الذهن الانساني.

والخلاصة أن كانت كان يري أن عقلنا يقيم هذا الوجود الذي نعيش فيه، فالعالم الخارجي علي هذه الصورة ليس غريبا عنا. وعلي الرغم من أننا لا نعرف العالم الخارجي معرفة حقيقية مطلقة الا أن هناك ما يسمح لنا بان نشعر بأن إرادتنا حرة وأن نفوسنا خالدة وأننا نعرف الله ولو عن غير طريق النظر الميتافيزيقي، ذلك لأن هذه مسلمات لا يمكن التدليل عليها نظريا. ولو أننا نأمل نتيجة لشعورنا بالالزام الخلقي والتقدير الجمالي-ان يكون وجود الله حقا.

وإذن فقد تخطي كانت النظر العقلي والفلسفة المادية. لكي يقسيم الايمان بالله عن طريق العمل ولم يكن في ذلك مثاليا بمعني الكلمة بل كان تصوريا بمعني أنه يقيم الحدوس ويضع الشروط للمعرفة الانسانية ويجعل من الذهن الانساني مشيدا للموضوعات الخارجية بتاثير أو فاعلية هذه الشروط والصيغ الاولية.ولكن المثاليين الألمان بعد كانت أوغلوا في طريق النزعة المثالية بدون تحفظ فظهرت المثالية الالمانية علي صورتها الأخيرة المبالغ فيها عند فخته وهيجل وشوبنهار.
المرحلة الرابعة
الفلسفة الحديثة المعاصرة


لقد اصطلح المؤرخون على أن عام 1831 وهو العام الذى توفى فيه هيجل يعد البداية التقريبية للفلسفة المعاصرة.

ونحن لا نستطيع الجزم بأن الفكر الفلسفى المعاصر قد تميز بطابع فريد يختلف كثيراً عن الفكر الحديث فى جملته فنحن نلمس فى المذاهب المعاصرة انطوائها على معظم التيارات الفلسفية القديمة والحد\يثة على السواء مع حساب حصيلة الفكر التى تنمو بالتدريج خلال التطورات التاريخى لحضارة الإنسان ولكنا نلاحظ من ناحية أخرى أن هذه الفترة المعاصرة تتميز بالنزعة التطورية وسيطرة مقولة التطور منذ القرن التاسع عشر فى ميادين العلم والفلسفة على السواء وبصفة خاصة فى مجال التفسير التاريخى .

وعلى أية حال فإن فلاسفة المعاصرين منذ هيجل اتجهو ا فى الغالب إلى تناول نفس المشكلات الفلسفية التى تناولها الفلسفة الحديثة ولكنهم انتجوا بها مناحى خاصاً على ضوء التجربة وقد تأثروا فى هذه الناحية بالاكتشاف العظيمة التى تمت فى مجال العلوم الطبيعية وكذلك بالتغيرات المتلاحقة التى طرأت على الحياة الإجتماعية كنتيجة للإنقلاب الصناعى وللثورات الاجتماعية والسياسية.

ومه هذا فإننا يجب أن نلاحظ أنه ليس ثمت اتفاق بين الفلاسفة على الصلة التى ينبغى أن تكون قائمة بين الفلسفة والعلم على ضوء الإنجازات العلمية التى تم تحقيقها فى هذه الأيام.

فقد رأى بعض الفلاسفة أنه حتى فى مجال العلوم التى تتطلب الدقة التامة فى مباحثها مثل الرياضيات والطبيعة والكيمياء وعلم الأحياء إلى حد ما حتى فى مجال هذه العلوم التى أحرزت تقدماً كبيراً بفضل استخدامها للمقاييس الكمية فإن ما تمدنا به فروض وإيحاءات حول موضوعاتها التى تخضع للقياس لايمكن بحال أن يعطينا حلولا حاسمة تسمح لنا بأن ندرك الطبيعة النهائية للموضوعات.

وبالإضافة إلى هذا فإن الكثير من هذه الفروض العلمية التى كان من الممكن أن تكون ذات دلالة من الناحية الفلسفية ظلت تتغير كل عشرين عاماً أو فى زمن أقل من هذا ولهذا فإننا نجد بعض المثاليين لامعاصرين الذين لم يجادلو العلماء فى ميادين بحثهم ينكرون على البحث العلمى استطاعته الوصول إلى معرفة تامة بطبيعة الواقع ومن ثم فهم يرون أن قصارى ما يصل إلية العلم هو أن يعطينا رمزا نفعية عن الموضوعات يمكن استخدامها في المجال التطبيقي فحسب إذ هي نظرات جزئية لا يمكن مجال أن تعطينا صورة كاملة شاملة ومحيطة بامور الواقع وبناءا علي هذا فان بعض الفلاسفة الذين اتخذاوا هذا الموقف ظلوا الي وقتنا هذا يتناولون مشكلات الفلسفة بنفس الاساليب التي تناولها بها قدماء الفلاسفة مع اضافة ما تتطلبه روع العصر وتطور الفكر الانساني.

وإذا كان المثاليون يقفون من العلم الحديث هذا الموقف المعادي الواضح فإننا نجد الطرف الآخر المقابل فريقا آخر من الفلاسفة مثل الوضعيين والبراجماسيين والواقعيين هؤلاء اعتقدوا ان مناهج البحث العلمي المطبقة في مجال العلوم هي وحدها المناهج الصحيحة والتي يجب التعويل عليها في أي بحث فلسفي. فكل ما لا نعرفه عن طريق هذه المناهج تستحيل علينا معرفته علي وجه الاطلاق. وعلي هذا فالميتافيزيقا متنعة وهي خرافة كما يقولون.

وإذا استبعدنا الميتافزيقا فما الذي يبقي في نطاق الفلسفة؟ يقول هؤلاء إن علي الفيلسوف ينحصر في دراسة مناهج العلوم ووضعها ومحاولة استخدامها في الميادين التي لازالت في دائة الفلسفة مثل المنطق والاخلاق. وعليالفلسفة في نظرهم ان تتصدي للغة التي يستخدمها الفلاسفة فتقوم بتحليلها واستبعاد جميع الالفاظ التي لايوجد لها مدلول علمي او حسي مثل فكرة النفس أو الأنا وغيرها من الافكار الفلسفية. وهذا موقف مدرسة التحليل المنطقي بالذات.

ومن ثم فغن الفلسفة قد أصبحت ذيلا للعلم تقفو أثره وتلتزم بحدوده وتدعي لذلك انها فلسفة علمية مع أن القول بوجود فلسفة علمية قول متناقض يقوم علي الملاحظة والتجربة واستخدام منهج الاستقراء فإن الفلسفة لا يمكن أن تسير في نفس الطريق بل إنها يجب أن تستمر في استخدام منهج الاستدلال القائم علي التأمل. وقد تم فهم هذا فريق من المعاصرين وجعلوا الخلوة الي الذات والتأمل شرطا أساسيا للتفلسف.

وقد أثار هذا الموقف الواضعي المتزمت ثاثرة كثير من الفلاسفة فهب فريق منهم للدفاع عن الفلاسفة ودورها الهام الذي تلعبه في مضمار الحضارة الإنسانية فنجد هوسرل صاحب مذهب الظواهر يثور ثورة عنيفة علي أمثال هذه المذاهب ويرفض ان يجعل الفلسفة ذيلا للعلم بل يتقدم في مشروع إصلاحه الفلسفي لكي يجعل العلم تابعا للفلسفة بحيث تصبح الفلسفة مرشدة للعلم وملهمة له وقائدة لتقدمه. ويبين هوسرل في وضوح تام أن أعظم ميزة للفكر الفلسفي هي ما يسميه بالتوقف او تعليق الحكم أو وضع الوجود الواقعي للاشياء بين قوسين حيث تظهر القيمة النقدية والشك البناء للعقل الفلسفي الذي يدرس الموضوعات كما تبدو في الشعور ويوضح الظواهر ويرتبها بكل دقة حتي يعرف طبيعتها الحقة الثابتة التي تؤدي الي قيام علوم جديرة بهذا الاسم كالرياضيات.

علي أن فريقا من الوضعيين والتطوريين امثال كونت وسبنسر لم ينهجوا نفس النهج الذي سار فيه التجربيون والوضعيون المتزمتون فقد اختلطت أراءهم بالفلسفة فنري كونت وكذلك سبنسر يضعان تصنيفا للعلوم وكذلك يحاول كل منهما وضع نظرية تركيبية عريضة في المعرفة. وهذا النوع من العمل الفلسفي لا يمكن بالطبع أن يتم أنجازه في معامل العلماء ومختبراتهم وهذا يعني أن فريقا من بين أصحاب النزعات التجربية للمعرفة ظل أمينا علي المسار التقليدي للتراث الفلسفي في مرحلة من أشد المراحل التجربية تزمتا اي في غضون القرن التاسع عشر.

وكذلك نجد فلاسفة مثل وليم جيمس وبرجسون يجعلون العلم نقطة بداية فلسفاتهم ولكنهم لا يجعلونه نقطة النهاية في مواقفهم إذ أنهم يرون أن الفلسفة تستطيع أن تعرض لتأملات مستفيضة وتركيبية عن الطبيعة النهائية للكون وعن مركز الإنسان فيه مع احترام حصيلة العم المعاصر وفروضه المثمرة.

ويلاحظ ان التغيرات الاجتماعية والسياسية في القرن 19 كان لها أثرها الكبير في مجهودات الفلاسفة المعاصرين الذين هيوا لصياغة نظم جديدة اجتماعية وسياسية لكي يحققوا عن طريقها حياة أفضل للنوع الانساني فنشات بفضلهم علوم كثيرة هامة مثل علم الاقتصاد وعلم السياسة والاجتماع وعلم النفس والتربية وأصبحت لهذه العلوم نظمها الخاصة بها والمستقلة عن الفلسفة.

علي أننا يجب أن نلاحظ أمرا خطيرا حدث مع بداية القرن العشرين وهو أن الازمات الاجتماعية والسياسية والثورات والحروب التي عاناها الانسان في هذه الفترة قد خلقت نوعا من الحيرة والقلق والضياع في نفوس البشر هذا بالاضافة الي ما تخلف عن الثورة الصناعية من استحكام روح التزمت التجريبي وسيطرة النزعة الالية الامر الذي ادي الي ازدياد شعور الانسان بضالته في مواجهة التطور العلمي الضخم وسيطرة الالات الصناعية علي جميع مرافق الحياة الانسانية.

هذه الامور كان لها تاثير علي القيم الانسانية الروحية والاخلاقية حيث أخذ مركزها يتضاءل بين الناس فكان لذلك تاثيره علي مفهوم الحرية وممارستها وكذلك علي المفاهيم الاخلاقية والدينية بوجه عام.

وكان أن ظهرتيار الفكر الوجودي منذ كير كجارد كصيحة الم انسانية وكثورة صارخة ضد النظم الالية والمطلقة التي تكبل حرية الانسان فحمل الوجوديون رسالة التدعيم لحرية الانسان ممثلا في افراده فالحرية في نظرهم هي المعني المساوق للوجود.

أما رد الفعل الروحي والاخلاقي علي النزعات التجربية والوضعية المتزمته فقد تمثل في مذهب إميل بوترو وفي مذهب تلميذه هنري برجسون فليست البرجونسونسة سوي ثورة عنيفة ضد المذاهب المادية التي سيطرت علي الفكر الفلسفي خلال القرن التاسع عشر وفي مطلع القرن العشرين. وسنتكتفي في هذا البحث عن الفلسفة المعاصرة باستعراض موقف برجسون كممثل لهذه النزعة.






هنري برجسون 1859-1941


التمهيد لظهور البرجسونية (التيارات الفلسفية المعاصرة للبرجسونية في فرنسا)

نحن نعرف أن الفكر الفرنسي في العصر الحديث حتي قبل قيام الثورة الفرنسية كان يتفاعل مع احداث القارة وتياراتها الفكرية. ومن ثم فقد نشأت مشكلات كثيرة نتيجة لاتصال المفكرين الفرنسيين بتراث أوربا الفكري وكانت هذه المشكلات ذات أثر كبير في التمهيد لظهور البرجسونية (ويكفي أن نقدم مثالا علي ذلك فيما تصدي له برجسون بطريقة غير مباشرة في نقده للماركسية).

نلاحظ انه في النصف الاول من القرن التاسع عشر اهتمت الفلسفة الفرنسية كنتيجة للاحداث السياسية والاجتماعية التي عانتها فرنسا بالدراسات السياسية والاجتماعية وذلك لتوجيه الجهود الي حركة الاصلاح والبناء وقد شغل المفكرون الفرنسيون أنفسهم بهذا النوع من الدرسات الي النصف الثاني من القرن التاسع عشر، ولاشك أن محاولة أوجست كونت فيما عرف الفلسفة بالوضعية كانت حركة تستهدف اصلاح المجتمع الفرنسي في عصره فهي إذن إستمرار لهذا الاتجاه الذي اشارنا اليه وهو الاتجاه الي تناول المشكلات السساسية والاجتماعية.

حاول كونت البحث عن تفسير مقنع للاضراب الخلقي السائد في عصره فأرجعه الي اضطراب عقلي مصدره-علي ما كان يري- إتباع الناس لعدة مناهج في تفكيرهم تفكير لاهوتي- تفكير ميتافيزيقي ثم تفكير وضعي وقد رأي أنه لن يتم اصلاح هذاالمجتمع إلا إذا ارتفع هذا الاضطراب العقلي وذلك بتخليص الفكر من تعدد المناهج وتوجيه إلى منهج واحد أى إلى المنهج الوضعى وبمعنى أخر لن يتم الغصلاح إلا بإتباع التفكير الوضعى أى العلمى.

وكان موقف كونت هذا بسبب ظهور تيار قوى فى الفلسفة الفرنسية وفى الفلسفة الغربية على وجه العموم وقد عرف هذا التيار باسم الفلسفة العلمية وكان لهذه الفلسفة أشياع كثيرون كما أشتدت معارضتها وعلى الأخص من أتباع المدرسة الروحية حينما أحس المعارضون أن هذه الفلسفة تضحى بالقيم الإنسانية وترفض الأخلاق وتعتبرها وهماً وخداعاً واستمرت هذه النزعة العلمية فى الزيوع والإنتشار فالتزمها كلود برنارد صاحب كتاب " المدخل إلى الطب التجريبى " وباستير وأشياعهما فأخضعوا ظواهر الحياة لمبدأ الحتمية كذلك ساركل من داروين فى نفس الاتجاة إذ هما يفترضان وحدة الحياة وخضوها لعوامل البيئة والانتخاب الطبيعى وترى أيضاً الفيلسوف الفرنسى تين يسلك نفس الطريق فيرد الظواهر العقلية إلى الإحساس إلى الحركة بحيث ترد الحقائق المادية والروحية على السواء إلى نوع من الذبذبات اللامنتاهية.

ويرى هؤلاء جميعاً أن الطبيعة كل معقول وتصورنا لها يجب أن يكون على هذه الصورة أى أساس مبدأ الحتمية ، أما اللامعقول فهو الذى لا ينسجم مع قانون الحتمية وإذا انتقلنا إلى مجال الإقتصاد والاجتماع خارج فرنسا فإننا نلاحظ ظهور المادية الماركسية التى تعتبر تجاوباً مع النزعة العلمية الوضعية فى ذلك الوقت فكارل ماركس يذكر فى مقدمة كتابه عن الاقتصاد السياسى أن تركيب الإقتصادى للمجتمع هو الأساس الحقيقى الذى تقوم عليه سائر النظم القضائية والسياسية ، وهذه النظم التى يسميها ماركس بالنظم الفوقية تقابلها صور معينة من الشعور الإجتماعى وعلى الجملة فإن هذه المدرسة تلتزم مبدا الحتمية فى تفسير الظواهر الاجتماعية والروحية فترجعها بالضرورة إلى ظواهر اقتصادية كاساس لها وكعلة لحدوثها وكذلك ألزمت المدرسة الاجتماعية الفرنسية نفسها بقواعد هذه النزعة العلمية فأندرج تحت لوائها جابريل تارد واسبيناس وعند هؤلاء جميعاً نجد الثقة المطلقة بالمنهج التجريبى العلمى ذلك الذى يقوم على ظواهر الملاحظة والتجربة واتجاههم جميعاً إلى الظواهر الحسية الملموسة حتى يمكن أن تحفظ للعلم موضوعيته ولكننا نلاحظ من الناحية الأخرى أن أصحاب هذه النزعة العلمية التى كانت تردد أراء أوجست كونت ما لبثوا أن تجاوزوا موقف كونت نفسه فبينما نجده فى كتاب دروس فى الفلسفة الوضعية يحرم على تلاميذه دراسة الميتافيزيقا ويهمل البحث عن العلل الأولى للأشياء والبحث عن أصل المادة وطبيعة قواها وعن التركيب الذرى للأجسام على اعتبار أنها من قبيل الأبحاث الميتافيزيقا نجد أن هؤلاء العلميين يتناولون هذه المشاكل بالبحث ويتكلمون عن أجسام ذات ذبذبات لا متناهية تختفى وراء الأجسام المتشابهة التى تقع تحت حسنا، ويقررون أن حواسنا مهيئة للعمل لا للمعرفة ومن ثم فهى تعجز عن الرصد الدقيق لما يجرى فى أعماق الأجسام.

والحقيقة أن الواقع يكشف لنا عن نوع من الاستمرار الكيفى أو الصيرورة الدائمة وهذه قضية يرفضها العلم ، وتقرر هذه القضية أن الأشياء ليست فى وضع استاتيكى جامد كما يفترض التجربيون بحيث يمكن معه أن نسبر أغوارها عن طريق التشريح والتجزئه ، بل الأمر على العكس من ذلك فالأشياء فى حقيقة الأمر فى حركة مستمرة وأننا لا نركز أنظارنا على هذه الحركة لأن حواسنا وقوانا العلقلية أجزاء من الوجود وتجمدها لكى تجعلها صالحة للتحليل وهذا هو مضمون النزعة اللعلمية ولهذا فإنها لا يمكن أن ترقى إلى مرتبة إدراك الوجود فى أعماقه وفى حياته النابضة ونحن ندرك هذا الوجود الحى أو هذا الواقع الحى عن طريق الحدس وهذا هو الاتجاه الأساسى فى فلسفة برجسون ومن ثم فإن مذهب برجسون الحدسى كما سنرى يعد من أقوى المذاهب المعارضة للنزعة العلمية المتزمتة.

وسنرى ان برجسون قد جمع فى مذهبه بين التيارين العلمى والحدسى الروحى وانتقد المنهج الحدسى فكأن التيارات الفكرية السابقة على المذهب قد وجدت تعبيرات عنها فى مؤلفات برجسون وهذه التيارات هى التى رسمت المنهج للمذهب وهيأت له وضع المشكلة فالمناهج العلمية والوظيفية والبراهين الأولية والتحليل البعدى والفروض التى تثيرها هذا التحليل وكذلك التحقيق العلمى الذى يتطلبه التحليل كل هذه ليست سوى ألات ووسائل نسترشد بها فى سلوكنا العلمى فتسمح لنا بأن تتنبأ أفعالنا وأن نشبع حاجاتنا.

أما اذا انتقلنا الي مجال الميتافيزيقا والعرفة فستضح لنا عقم هذه المناهج العلمية ذلك لأنها تجزئ الواقع المترابط وتجمد ما يعتبر صيرورة دائمة لايمكن ايقافها وأما اذا اردنا ان ننفذ الي الواقع اي الي المطلق فانه يتعين علينا ان نصلح من عادتنا العقلية وان نتجه الي الحدث وهذه هي النتيجة الرئيسية التي انتهي اليها برجسون.

حياته ومؤلفاته:

· يعتبر برجسون من أكبر فلاسفة العصر على الإطلاق ويعتبر الممثل الأخير للمذاهب الفلسفية التركيبية المتكاملة ولد هنرى برجسون فى باريس فى الثامن عشر من أكتوبر عام 1859 من أبوين إيرلنديين ولكنه تجنس بالجنسية الفرنسية وإلتحق بمدرسة المعلمين العليا وكان زميلاً لجان جوريس فى هذه المدرسة حوالى سنة 1878 وبعد تخرجه عمل مدرساً بليسية أنجيه فيما بين سنتى 1881 و1883 ثم إنتقل إلى ليسية كليرمون ومكث بها إلى عام 1888 ولم يلبث أن إنتقل إلى كوليج رولان وأخيراً استقر فى ليسيه هنرى بباريس إلى عام 1898 حيث عين أستاذاً بمدرسة المعلمين العليا وفى عام 1900 اختير أستاذا للفلسفة بالكوليج دى فرانس وقد انتخب عضواً فى الأكاديمية الفرنسية عام 1914 وفى خلال الحرب العالمية الأولى إلتحق بالسلك الدبلوماسى الفرنسى فى أسبانيا والولايات المتحدة ولم يلبث أن أصبح بعد الحرب رئيساً للجنة الأمم الخاصة بالتعاون الثقافى .

· وقد حصل برجسون على جائزة نوبل عام 1927 وكانت وفاته بباريس فى الرابع من يناير عام 1914 والوطن الفرنسى تحت وطأة الإحتلال الألمانى وعلى الرغم من أنه لم يظهر تحوله عن اليهودية واعتناقه للكاثوليكية كما اشيع عنه إلا أنه أظهر ميلاً شديداً نحو المسيحية الكاثوليكية فى أواخر أيامه على أن موقفه الذى عبر عنه فى كتاب " منبعى الدين والأخلاق إنما يشير بوضوح إلى نزعته الروحية العميقة والتى تعلو على الرسوم والشعائر الدينية وسائر ألون التحزب الطائفى والعقائدى ، وذلك أن التجزئة الصوفية التى هى قوام الدين المتحرك عنده لا تعدو أن تكون تسامياً بالقيم الدينية إلى ذرى الحياة الروحية واشتفاقاً لأعماق مضامينها فوق القود التى يفرضها الدين لاساكن.

· مولفاته : تتميز فلسفة برجسون بإتجاهها إلى الكشف عن الديمومة أو التغير الدائم وهى الخاصية الأساسية للوجود والتى يستطيع إدراكها عن طريق الحدس ولهذا فإننا نجد كل مؤلف من مؤلفاته يتناول مشكلة واقعية معينة بالبحث لينتهى منها إلى التدليل على صحة موقفه الفلسفى عن الديمومة وهذا هو سر أصالته.

ففى كتابه " المعطيات " نجده يفرق بين الزمان بمعنى الديمومة والزمان والمكان كما يفهمه الجمهور وكما يقره العلم وينتهى إلى حل ذى أصالة لمشكلة حرية الإرادة وفى كتاب " المادة والذاكرة " يبحث مشكلة اختلال ذاكرة الألفاظ وفقدان الذاكرة دليلاً على استمرار الوجود أما فى كتاب " التطور الخالق" الذى يشرح المذهب فى جملته ويعد أهم كتبه على الإطلاق فإنه يدرس مشكلة الوجود بأكملها ، وبينما يستدل سبنسر على صحة موقفة التطورى مستخدماً الأشياء التى هلى موضوع هذا التطور نجد برجسون يتخذ من الحركة الأساسية للوجود المتغير مادة للتدليل على التطور أو الوجود الذى هو فى ذاته حركة وتغير مستمر.
مراحل تطور الفلسفة البرجسونية :


تعد مؤلفات برجسون الرئيسية وحدة أو مجموعة متكاملة تشمل المذاهب البجسونى بجملته ، ولكننا نستطيع أن نقسم هذه الكتب إلى مجموعات ثلاث ترتبط كل مجموعة منها بمرحلة معينة من مراحل تطور الفكر البرجسونى ، فقد من هذا الفكر بمراحل ثلاث وهى :

· المرحلة الأولى : وهى مرحلة الكشف عن الزمان المطلق أى الديمومة ويتضمن كتاب المعطيات وخلاصة تفكير برجسون فى هذه المرحلة

· المرحلة الثانية : وهى مرحلة حدس الزمان المطلق ، ويترجم عن هذه المرحلة كتاب " المادة والذاكرة ومقال المدخل إلى الميتافيزيقا.

· المرحلة الثالثة : وهى مرحلة الحياة فى الزمان المطلق ،÷ ونجد تمام التعبير عنها فى كتاب " التطور الخالق ، ثم فى كتاب " منبعى الدين والأخلاق " أما باقى الرسائل والمقالات مثل رسالة فى الضحك ورسالة فى الحدس ورسالةفى معنى المكان عند أرسطو وغيرها من المقالات فهى إنما توضح الأفكار الرئيسية التى تتضمنها الكتب المشار إليها.

سارة الشامي
مستجد
مستجد

عدد الرسائل: 3
العمر: 31
التميز الشخصي/الهوايات: القراءة
تاريخ التسجيل: 07/03/2010

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الفلسفة الحديثة

مُساهمة من طرف الرائد في الإثنين مارس 15, 2010 12:31 am

سارة الشامي كتب:أولاً : نجد أن الفكر الفلسفى اليونانى تعلوه مسحة جمالية ، إذ أن اليونانى القديم أمن بالجمال وكذلك فقد ارتبط الدين اليونانى فى جملته بما يشتمل عليه من ألهه وألهات متعددة – بالفن والأدب والإنتاج الفكرى على وجه العموم وظهرت هذه النزعة الجمالية فى جميع نواحى الحياة اليونانية القديمة وحتى عندما انفصل الدين عن الفلسفة وتحرر الفكر الفلسفى من وطأة الميثولوجيا الدينية واستمر الفكر اليونانى أمينا على نظرته الجمالية للكون من حيث أنه وجود يتسم بالنظام والجمال واكتمال التكوين.

وإذن فقد كانت قيم الحق والخير والجمال مرتبطة فيما بينها أشد الارتباط فى العقلية اليونانية فلم يكن الخير الأسمى فى الفكر اليونانى شيئاً أخر غير الجمال الأعظم وكذلك فإن الرجل الفاضل هو الحاصل على الخير والجمال والعقل من وراء كل شئ يتحكم فى الطبيعة والإنسان إذ أن الحوادث والأشياء وسائر الموجودات بحسب تصورات هذا الفكر إنما تنظمها علل متداخلة مترابطة متناسقة.وكذلك إذ تناولنا العلم القديم عند اليونان فإننا ندرك لأول وهلة كيف أقامه العقل اليونانى على أساس نظرى عقلى واضح المعالم فمثلاً فى علم الفلك نجد أنه حينما اتضح لعلماء الفلك اليونان أن الدائرة أكمل الأشكال وأسماها وهو الشكل الدائرى ، أى أنه يتعين أن تكون حركة الكواكب والأفلاك دائرية وقد ربطوا مصائر البشر والاشياء بهذه الحركة الدائرية الفلكية.
.


موضوع رائع يا اخت سارة ولكن اضيف لكى ان فلاسفة اليونان الذين ارتادو الفكر الفلسفى اليونانى تعلمو الفلسفة فى جامعة اون القديمة جامعة عين شمس الحالية كما تتلمذ بعضهم فى مدرسة الاسكندرية القديمة


كما أن العديد من فلاسفة اليونان الكبار ومنهم فيثاغورس وافلاطون قد تعلموا علي يد كهنة مصر القدماء ونقلوا هذه التعاليم إلي اليونان ونجد ذلك متمثلا بالفعل في تأثرهم بعلوم الرياضيات والهندسة لحد أن افلاطون كتب عل باب اكاديميته ( لا يدخلها جاهل بالهندسة ) و فيثاغورس الذي ابدع نظرية هندسية سميت بأسمه .

و المنكر لوجود فلسفة شرقية يتحدث عن أنها افكار اسطورية تتمثل بالطابع الديني و الاخلاقي لكن أذا نظرنا إلي الفكر الشرقي القديم نجد مثلا أنه في مصر نجد مفهوم الماعت بمعني العدالة ــ و اراء بتاح حتب التي وجدت بمخطوط الحكمة و هي عبارة عن نصائع لأبنه ــ اراء اخناتون بوحدانية الإله و نصوصه الموجودة لتمجيد الإله أمون التي تقارب في صياغتها و مدلولاتها المزمور 104 من مزامير سيدنا داود .و نجد ايض التمييو بين( الكا ) النفس و (البا ) البدن و اراء المصريين حول البعث بعد الموت و الحياة الاخري بعد الموت

_________________
((رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ)) .

الرائد
مشرف شعبة الاقتصاد المنزلي والتربية
مشرف شعبة الاقتصاد المنزلي والتربية

عدد الرسائل: 160
العمر: 59
التميز الشخصي/الهوايات: القراءة
تاريخ التسجيل: 06/03/2010

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة

- مواضيع مماثلة

صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى