تابع الفلسفة الحديثة و ديكارت

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

تابع الفلسفة الحديثة و ديكارت

مُساهمة من طرف smsma في الأربعاء أبريل 14, 2010 3:57 pm

نيام دون أن تكون واحدة منها اذ ذاك حقيقة ، اعتزمت أن أرى أن كل الأمور التي دخلت الى عقلي لم تكن أقرب الى الحقيقة من خيالات أحلامي. رينيه ديكارت ( 1968 :82 )

ويقول برتراند راسل في كتابه مشاكل الفلسفة " ومن الشائع في الفلسفة انه يوجد فرضان متضادان قابلان لأن يفسرا جميع الوقائع ، فيمكن مثلأ أن تكون الحياة حلمأ طويلأ وان يكون للعالم الخارجي من الحقيقة ما للاشياء التي نراها في الحلم فقط ولكن بالرغم من أن هذه النظرية لا تبدومتعارضة مع الوقائع المعروفة فليس هناك من سبب يدعونا لتفضيلها على نظرية الإدراك العادي التي تذهب إلى ان الأشخاص الأخرين والأشياء الأخرى توجد حقيقة 0 بتراند رسل (1947 :105)

ولم يقف ديكارت في شكه عند هذا الحد فقط ، وإنما تعداه إلى الشك حتى في ‏وجوده هو ، ككائن حي مفكر، فضلا عن الشك بصحة او صدق وجود العالم الحسي من أرض وسماء وشجر وكائنات حية عاقلة أو غير عاقة، وبوصول ديكارت إلى هذه الدرجة من الشك ، حتى الشك في وجوده هو ،وهونوع من الشك لا نلحظه عند أحد من الفلاسفة قبله ، على حد علمنا ، خطر بباله تساؤل غريب بنظرنا يتعلق بعلة شكه بوجود شيطان ماكر خبيث ، يعمل على تضليله بكل ما اوتي من قوة وبكل ما وسعه من حيل ‏" سأفترض ان شيطانأ سيئأ لا يقل خبثه ومكره عن بأسه ، قد استعمل كل ما اوتي من حنكة لتضليلي ،وسأفترض أن السماء والهواء والأرض والألوان والأشكال والأصوات وسائر الأشياء الخارجية التي نرى ليست إلا أوهامأ وخيالات ، يلجأ إليها الشيطان كي يقنعني ، وسأفترض اني خلو من العينين واليدين واللحم والدم والحواس ، التي اتوهم خطأ اني أملكها جميعأ ،وسأتشبث بهذه الإفتراضات التي ، إن لم أتمكن بها من الوصول إلى معرفة أي حقيقة ، تدفعني على الأقل أن اتوقف عن الحكم 0

فقد لاحظ بأنه يشك ، ويشك في كل شي ء ، حتى في وجوده . وأن هذا الشيطان الخبيث ، لم يستطع أن يضلله من حيث أنه كائن يشك أو موجود يشك وذلك لأنه لاحظ بأنا كلما امعن في الشك إزداد يقينأ بأنه موجود يشك أو بالأحرى موجود يعرف أنه ينكر ويشك ، ومن هنا وصل ديكارت إلى حقيقة اولية مفادها أنه لا مجال للشك على الإطلاق ، في حقيقة وجوده كإنسان يشك ويفكر . فهو يقول،" كلما شككت ازددت تفكيرأ فازددت يقينأ بوجودي " وفي قوله هذا يعارض ديكارت سانشيز ‏الذي يقول عكس ذلك تمامأ " كلما فكرت ازددت شكأ " . زكي نجيب محمود (1959 :56 )

ولكن ديكارت تسائل اي شئ هو ؟ أي أنه تساءل عن ماهيته هذا الشئ الذي يشك بة وقد اجاب على ذلك بقوله إن حقيقة كونه أنه يشك ، تعني أنه موجود مفكر اوشي ء مفكر ، فإذا توقف عن التفكير فليس هنالك من دليل على وجوده ، ولذا قال قوله المشهور "انا افكر إذاً فأئا موجود " . وهوما يعرف ب الكوجيتو الديكارتي.

‏ ونظرأ إلى أني رأيت أن من يريد أن يشك في كل شي ء لا يستطيع مع ذلك ان يشك فى وجوده حين يشك ، ولو كان يشك في كل ما سواه أخذت كينونة هذا الفكر أو وجوده علي أنه المبدا الأول0 رينيه ديكارت ( 1960 :60-61)

ولذا فإن ديكارت يعتبر الكوجيتو ، المبدا الأول الذي تقوم عليه فلسفته كلها .

المنهج الديكارتي:

من أهم العوامل التي ساعدت على شهرة ديكارت وطلقيبه ب أبو الفلسفة الحديثة هو المنهج الجديد الذي ابتكره ،واقام عليه فلسفته كلها ، والذي يغاير تماماً ‏مناهج البحث الفلسفي التقليدية ، التي كانت سائدة حتى عهده ، والمتمثلة على الأخص بالمنهج الاستدلالي الأرسطي وكذلك بالمنهج الاستقرائي البيكوني أو منطق بيكون الذي ظهر الى حيز الوجود عام 1620م، تحت عنوان « الأرغا نون الجديد0

أسس المنهج الديكارتي:

يقوم المنهج الديكارتي علي أساسين هما:

1- البداهة:

وهي الرؤية الذهنية المباشرة للاشياء ، أو العيان المباشر لها ، دون أن يخامرنا أدنى شك في صحة هذه الرؤية أو العيان ، وبعبارة أخرى ، البداهة نوع من المعرفة المباشرة ينتقل فيه الذهن أو العقل ، من شي ء معلوم إلى شي ء مجهول ، انتقالأ ، ليس فيه تفكر او زمن كقولنا المسا ويان في كلى منهما لثالث ، متساويان ، الكل اكبر من جزء، وبذلك > فإن البداهة الديكارتية ، تختلف عن الحدس فالحدس ، عند المناطقة العرب ، كابن سينا ، معناه سرعة الإنتقال من الأشياء المعلومة إلى الأشياء المجهولة ، وهذا لا يتم إلا في الزمن مهما قل في حين أن البداهة لا تحتاج إلى زمن مهما قصر هذا و يميز ديكارت بين العيان الهني المباشر أو الرؤية العقلية المباشرة و الرؤية الحسية فالرؤية الحسية لا ترقي الي درجة البداهة لأهنا تقوم علي الحواس ،كما يميز بين أحكام البداهية و أحكام الخيال فالخيال لا ضابط له و أحكامه تختلف من شخص لأخر فيقول "إني قادر علي تقرير هذه القاعدة و هي أن الأشياء التي نتذهنها بوضوح تام و تمييز هي صحية كلها" . رينيه ديكارت (1960 :178-181)

و يقول ديكار في حده للبداهة "لا أعني بالبداهة الإعقاد في شهادة الحواس المتغيرة أو أحكام الخيال الخادعة ،ولكني أعني بها تصور النفس السليمة المنتبهة تصوراً هو من السهولة و التميز بحيث لا يبقي أي شك فيما نفهمه أي التصور الذي يتولد في نفس سليمة منتبهة عن مجرد الأنوار العقلية0 رينيه ديكارت (1968 : 93)

2- الإستنباط:

وهو كناية عن عملية عقلية ننتقل بواسطتها من فكرة تكون عادة بديهية الي فكرة أخري جديدة تكون نتيجة لازمة لها و من هذه الفكرة الي فكرة أخري أو نتيجة أخري،فالإستنباط نوع من الإستدلال الرياضي ننطلق فيها من فكرة أولي لإكتشاف حقائق جديدة مجهولة لنا0

ومع هذا يذهب هملان في كتابه مذهب ديكارت إلى القول "إن الإستنباط الديكارتي نوع من البداهة " وإلى حد إدماج الإستنباط بالبداهة ،فإذا كانت البداهة تعني إدراك الطبائع البسيطة فإن الإستنباط ليس إلا إدراك الروابط القائمة بين هذه الطبائع البسيطة عن طريق البداهة ،‏وإذا كان من الممكن أن يكون الإستنباط المستند الى فكرة بديهية ، بديهيأ كذلك ، فإن الاستنباط المستند الى فكرة غير بديهية ، لا يمكن أن يكون بديهيأ ، مهما كان صحيحأ في صورته الخارجية .

‏" إن جميع النتائج التي تستنبط من مبدأ ليس ببديهي لا يمكن أن تكون بديهية مهما يكن الاستنباط من حيث صورته صحيحأ . ويترتب على هذا أن جميع الاستدلالات التي أقاهوها على مثل تلك المبادىء لم تستطع أن تؤديهم الى المعرفة اليقينية لشيء واحد ولم تستطع بالتالى أن تجعلهم يتقدمون خطوة واحدة في البحث عن الحكمة. رينيه ديكارت ( 1960 :59)

قواعد المنهج الديكارتي:

وهي تتمثل في قواعد أربع يقول عنها ديكارت إنها قواعد وثيقة سهلة تمنع مراعاتها الدقيقة من أن يؤخذ الباطل على أنه حق ، وتبلغ بالنفس الى المعرفة الصحيحة بكل الأشياء التي تستطيع إدراكها دون أن تضيع في جهود غير نافعة بل وهي تزيد في ما للنفس من علم بالتدريج0 رينيه ديكارت ( 1968 :324 )

1- قاعدة اليقين أو البداهة:

ومعناها الا نثق في شي ء ما أو نقبل به على انه صواب إلا بعد أن نعمل ذهننا في كل الأفكار التي نمتلكها سواء كان امتلاكها حاصلأ عن طريق الوراثة أو الاكتساب ، حتى لا يبقى في عقولنا إلا الأفكار التي يسلم بها كل زي عقل سليم ، ولا يمكن أن يشك بها أو يرفضها ، والوسيلة الى ذلك ممكنة ، وهي تكون عن طريق مراعاة ثلاثة مبادىء :

تجنب التسرع في الأحكام :لأن التسرع في إطلاق الأحكام من عيوب الإنسان و لذا لابد من إعمال الفكر قبل إلقاء أو إصدار الأحكام0

عدم الميل مع الهوي: لأن عكس ذلك يبعد الباحث عن النهج العلمي الصحيح الذي ينبغي إتباعه في البحث0

ج- عدم قبول شئ غير بديهي: لأن عكس ذلك يورث الإضطراب في الذهن نتيجة غموض ما فيه من أفكار0 مهدي فضل الله (1986 :108)

2- قاعدة التحليل:

و معناها تقسيم المعضلة المستعصية علي الفهم و الحل الي عناصرها المكونة لها أو الي أكبر قدر ممكن من العناصر أو الأجزاء التي تنحل اليها و بقدر ما تدعو الحاجة الي ذلك0

3- قاعدة التأليف أو التركيب:

و معناها أن نؤلف من جديد عناصر أو أجزاء المشكلة أو الفكرة التي نرسها و التي قمنا بتحليلها بادئين بأبسط العناصر فالأقل بساطة فالأقل بساطة و هكذا،و هي أهم القواعد بنظر ديكارت الذي يذهب بالقول الي حد القول إن المنهج بأجمعه ينحصر في أن نرتب و ننظم الأشياء التي ينبغي توجيه العقل اليها لإكتشاف بعض الحقائق و نحن نتبع المنهج خطوة بخطوة إذا حولنا بالتدريج القضايا الغامضة المبهمة الي قضايا أبسط و إذا بدأنا من الإدراك البديهي لأبسط الأشياء كلها فإننا نجتهد أن نرقي بنفس الدرجات الي معرفة سائر الأشياء0 رينيه ديكارت (1968 : 96-97)

4- قاعدة اإستقراء التام أو الإحصاء الشامل:

وهي تعني وجوب عدمإغفال دراسة أي عنصر من عناصر المشكلة موضوع البحث فقد تتعدد الحدود في المشكلة و إهمال دراسة أي منها يعقد الأمر بحيث يصبح من المتعذرإدراك العلاقات القائمة فيما بينها إدراكاً بديهياً و إستطراد إدراك العلاقة القائمة بين الحد الأول و الحد الأخير الذي يؤلف النتيجة0

نظرية ديكارت في الأفكار:

ا- أنواع الأفكار:

يميز ديكارت بين ثلاث أنواع من الأفكار:

الأفكار الحسية:

و هي الأفكار التي يستفيد الإنسان من الأشياء أو الموجودات عند إتصاله بالعالم الخارجي عن طريق الحواس الخمس كأفكارنا عن اللون و الطعم و الحجم و هذه الأفكار لا قيمة لها من حيث المعرفة بنظر ديكارت لأنها تمثل معرفة صحيحة و دقيقة لأشياء فضلاً عن إنها لا تصلح لأن تكون أساساً لمعرفة فلسفية أو علمية دقيقة و ذلك لأنها نوع من الإدراك الحسي الخادع0

الأفكار الخيالية:

و هي أفكار لا قيمة لها من الناحية الموضوعية و بالتالي لا يمكن أن تصلح أساساً لبناء معرفة علمية صحيحة و ذلك لأنها من صنع المخيلة و نتاجها ولا وجود لها في عالم الواقع و إن كانت عناصرها موجودة بالفعل0

الأفكار الفطرية:

و هي الأفكار التي لا دخل للخيال في حياكتها و لا شأن للملاحظة الحسية و التجربة في صنعها ،وأن كان الإختبار الحسي يدلل علي صحتها و هذه الأفكار بديهية حدسية يؤمن بها كل إنسان عاقل لأنها لا تثير أدني شك في صحتها و لأنها تتصف بالوضوح المطلق و هذه الأفكار مثل الكوجيتو0

أما عن ماهية الأفكار الفطرية و مصدرها فإن ديكارت ينظر إليها من وجهتين:

ينظر اليها في بعض كتبه علي أنها الأفكار التي تتصف بخاصيتين: و هما الوضوح و التميز0

و ينظر اليها تارة أخري علي انها الأفكار التي يستفيد منها الإنسان حال إكتمال قواه العقلية و لدي إحتكاكه بالعالم الخارجي 0 مهدي فضل الله (1986 :112-116)

و قد جاء ديكارت بأدلة ثلاثة لإثبات التمايز بين النفس و الجسم و هي :

1- دليل الأنية:

حيث يري في كتابه مبادئ الفلسفة و تأملات ميتافيزيقية في الفلسفة الأولي أنه بإمكاننا الإفتراض بأنه لاجسم لنا وحتي لا وجود للعالم الخارجي و لكنها لا يمكننا تجاهل وجودنا كنفس مفكرة0 رينيه ديكارت (1960 :260)

فنقول لو خلق الإنسان دفعة واحدة و خلق متباين الأطراف دون أن يبصر أطرافه و أتفق انه لم يمسسها ولا تماست ولم يسمع صوتاً جهل وجود جميع أعضائه،ويعلم وجود أنيته شيئاً مع جهل جميع ذلك و ليس المجهول بعينه هو المعلوم و ليست هذه الأعضاء لنا في الحقيقة الا كالثياب0

ولو توهمت ذاتك قد خلقت أول خلقها صحيحة العقل و الهيئة و فرض أنها علي جملة من الوضع و الهيئة بحيث لا تبصر أجزائها ولا تتلابس أعضائها بل هي منفرجة و معلقة لحظة ما في الهواء وجدتها قد غفلت عن كل شئ الا ثبوت أنيتها0 ابن سينا ( 1947 :119)



2- دليل وحدة الفس وعدم قابليتها للقسمة:

و أساس هذا الدليل هو أن البدن مثل كل الأجسام قابل للقسمة و هو يتألف أصلاً من أجزاء عديدة ظاهرة للعيان ،أما في حالة النفس فاأمر مختلف تمام الإختلاف لأن النفس واحدة غير قابلة للقسمة أو التجزئة"فالنفس ذات واحدة ولها قوي كثيرة ولو كانت قوي النفس لا تجتمع عند ذات واحدة بل يكون للحس مبدأ علي حدة وللغضب مبدأ علي حدة و لكل واحد من الأخري مبدأ علي حدة0 ابن سينا (310-315)

كما نجده كذلك عند الغزالي الذي أثبت أن النفس جوهر غير منقسم ولا متحيز في عشرة براهين ساقها في مؤلفاته المختلفة مقاصد الفلسفة0

ومن براهينه علي ذلك قوله في تهافت الفلاسفة "إنه يحل في النفس من العلم ما لا يقبل القسمة مثل الكليات،و إذن يكون محله وهو النفس غير منقسم 0 الغزالي (1927 : 292 -304)

كذلك عند ابن حزم في كتابه الفصل في الملل و النحل يري أن النفس جوهر قائم بذاته حامل لأعراضه لا متحرك ولا منقسم ولا متمكن أي لا في مكان0 ابن حزم (27)

1- دليل إدراك النفس للمعقولات البسيطة:

وهذا الدليل ، يقوم على ملاحظة أن النفس تتعقل بالفطرة ، مبادىء أولية بسيطة لا تنحل إلى أجزاء أكثرمنها بساطة ، ولا تتمظهر في شكل مادي أو أية صورة . ومن الطبيعى والحال هذه ، ان تكون النفس الحاملة لهذه البسائط جوهرأ بسيطا غير قابل للقسمة ، ومن كل هذه الحجج التي يوردها ديكارت لإثبات التمايز بين النفس و البدن يستنتج بأن النفس ليست عرضة للفناء كالجسد ، وإنما هي خالدة مع الملاحظة بأن ديكارت لم يتعرض لمسألة خلود الروح ، وقد جعل ذلك من اختصاص الدين أو الوحي ، الذي تبقى حقائقه فوق الفهم ، وفوق العقل استدلالاته0 مقال عن المنهج و تأملات ميتافيزيقية

المنهج الديكارتي في إثبات وجود الله:

يستخدم ديكارت للبرهنة على وجود الله ، منهجأ مغايرأ لكل مناهج الفلاسفة السابقين عليه، كان الفكر الفلسفي قبل ديكارت ، يحاول إثبات وجود الله ، عن طريق إثبات وجود العالم الخارجي أولأ والاستناد عليه أما ديكارت ، فإنه بعدما أثبت وجود انيته،بأنه كائن مفكر،ووجد فى نفسه افكارأ فطرية لا مجال للشك فيها ، منها ، فكرة الكامل اللامتناهي فإنه سلك مسلكأ مغايرأ لكل الفلاسفة القدامى وقام يثبت وجود الله ، عن طريق براهين ثلاثة ، كل منها كاف بحد ذاته ، للإستدلال على وجود الله ،‏وإذا ما رأى البعض ، أنه من المستحيل الإستدلال على وجود الله لأن الإستدلال معناه ربط شي ه ما بشي آخر يعلوه في المرتبة أو هو انبثاق الاحكام الجزئية من الكليات العامة والله هو المبدأ الأول ، والحقيقة الأولى ، التي ليس من فوقها حقيقة أخرى فإن ديكارت يرد علي ذلك بأن الله هو كذلك أي المبدأ الأول و الحقيقة اتلي لا تعلوها حقيقة0

أدلة ديكارت علي وجود الله:

الدليل الأول:

و هو الدليل الأنطولوجي أو الوجودي و قد سمي ذلك لأنه كنانة عن الإستدلال علي وجود الله بالإستناد الي فكرة الله الكامل في الذهن وهو جملة من الأفكار الفطرية التي يمتلكها الذهن أو النفس بالفطرة،فكرة الكائن الكامل اللامتانهي الحائز علي كل أنواع الكمال و يقول هذه الفكرة لم أستمدها من الحواس ولا هي إختراع ذهني أومجرد وهم لأنني عاجز عن أن أنقص منها شيئاً أو أزيد عليها ،ولا يبقي الا القول بأن هذه الفكرة قد ولدت ووجدت معي منذ خلقت 0رينه ديكارت (1960 :179)

وهذا الدليل يمكن صياغته علي النحو التالي:

1- الله هو الكائن الكامل الحائز علي جميع صفات الكمال0 (مقدمة صغير)

2- الوجود أحد أنواع أو صفات الكمال(مقدمة كبري)0

3- الله هو الكائن الكامل ،موجود (نتيجة)0

الدليل الثاني:

و يسميه البعض بالدليل الإنساني أو الدليل التجريبي و هو يدور حول وجود الأفكار الفطرية في النفس الإنسانية ومن جملتها وجود فكرة الكائن الكامل اللامتناهي الحائز علي جميع صفات الكمال0

الدليل الثالث:

و يمكن أن نسميه دليل الخلق المستمر وهو يدور حول وجود الإنسان نفسه وخلقه كذلك وجود العالم و خلقه و أن استمرار وجوده دليل علي وجود الله و هذا الدليل يؤيد الدليل الثاني و يكمله،فإذا كان الدليل الثاني يبحث عن السبب الحقيقي لوجود فكرة الكائن الكامل في ذهن الإنسان فإن هذا الدليل يبحث عن السبب الحقيقي لوجود الإنسان و العالم واستمرارها"لو كنت أنا خالق نفسي لما شككت في أمر أو رغبت في أمر ،ولا أفتقرت الي اي من الكمالات ،ذلك لأنني أمنح نفسي حينئذ كل كمال يخطر ببالي فأكون إلهاًُ0

و بعد أن توصل ديكارت الي اليقين التام بأنه كائن موجود لأنه مفكر و لأنه نفساً خلص الي التسليم بوجود العالم الخارجي و بكمال هذا العالم علي وجه العموم و يري أن وجود النقص في بعض أجزاء الكون وخلو النقص من البعض الأخر دليل عهلي أن عالمنا أكمل مما لو كان كل أجزائه متشابهة و له في إثبات ذلك دليلان:

الدليل الأول:

دليل الميل الطبيعي أو النفسي:

و معناه أننا نحس في نفوسنا ميلاً طبيعياً و قوياً للتسليم بوجود العالم الخارجي وهو ميل دائم لا يخضع لإحساس عابر أو شعور مؤقت لأنه مستفاد من الله الثابت الأزلي0

الدليل الثاني:

دليل الإدراك الحسي:

وأساس هذا الدليل هو أن لدينا في أذهاننا أفكاراً خارجة عن إرادتنا ،وعن أشياء وموجودات مختلفة لأنها موجودة لدينا فمعني ذلك أن علة وجود هذه الأفكار في أذهاننا هي وجود هذه الأشياء و الموجودات بالفعل في العالم الخارجي، ومن خصائص هذا العالم الإمتداد و هو الخاصية الأولي للوجود المادي و كذلك الحركة لأنه لا يمكننا تصور فكرة إمتداد بدون الحركة ومن هاتينالخاصيتين قال بهما ديكارت الإمتداد من ناحية و الحركة من ناحية أخري يمكن إستخلاص القوانين الطبيعية كما ميز ديكارت بين جوهرين في الوجود هما الجوهر المادي وماهيته و الجوهي النفسي و ماهيته0مهدي فضل الله (1986 :156- 163)

الأخلاق عند ديكارت:

الإنسان بنظر ديكارت مكون من جوهرين الجسم و يخضع الجسم في كل أجزائه لقوانين علم الطبيعة بإعتبار أنه جسم مادي،والنفس و هي جوهر ماهيته فكر ولا صله لها بكل ما يحكم الجسم من قوانين وعلاقات لا من قريب ولا من بعيد،ولذا فقد أولي ديكارت أحوال النفس و ميولها و أخلاقها إهتماماً كبيراً حتي أنه جعل علم الأخلاق (الفلسفة العلمية) رأس الحكمة فيقول" مثل الفسفة كمثل شجرة جذورها الميتافيزيقا و جذعها العلم الطبيعي و أغصانها بقية العلوم،وهذه ترجع الي ثلاثة كبري،هي الطب و الميكانيكا و الأخلاق العليا الكاملة التي تفترض معرفة تامة بالعلوم الأخري و التي هي آخر مرتبة من مراتب الحكمة0 رينيه ديكارت (1960 :87)

و لذلك فإن آراء ديكارت التي يسوقها لنا في كتبه المختلفة يمكن إيجازها في القواعد الآتية:

القاعدة الأولي: ينبغي على الفرد أن بمتثل للقوانين السائدة في مجتمعه وأن يحترم عادات اهله وتقاليدهم .

القاعدة الثانية: عليه أن يسلك وفق ما أجمع عليه أعقل العقلاء في بلده الذي يعيش فيه .

القاعدة الثالثة: عليه ان يحافظ على الإيمان بالمعتقدات اوالديانة ‏التي نشأ عليها ، وانعم الله بها عليه .

القاعدة الرابعة: ان يكون ثابتأ في سلوكه ، متجنبأ التردد ، فيما يعزم عليه وذلك لكي يكفي نفسه كل ندم وتأنيب إذا ما تبين له خطأ في سلوكه فيما بعد0

القاعدة الخامسة:أن يتخذ عقله هادياً في سلوكه و حاكماً للحد من رغباته و أهوائه و أوهامه0

القاعدة السادسة:أن يبتعد عن التفكير في كل ما لا يمكنه القدره عليه و الذي هو خارج نطاق إرادته،ويري البعض أن ديكارت قال هذه القواعد الأخلاقية مجبراً و ذلك خشية أن يتهم بأن لا دين ولا أخلاق له و أنه كتب في هذا الصدد الي صديق له عام 1646م يقول له إنه لو وضع أخلاقاً نهائية لما أراح الناقدون له بالاً بعد أن أتهمه بعضهم بالإلحاد بالرغم من إثباته وجود الله 0 رينيه ديكارت (1968 : 137-138)

التربية عند ديكارت:

إن منطق الكوجيتو يستند إلى قواعد أربع يقول عنها ديكارت ‏إنها قواعد وثيقة سهلة تمنع مراعاتها الدقيقة من ان يؤخذ الباطل على انه حق ، وتبلغ بالنفس الى المعرفة الصحيحة بكل الاشياء التي تستطيع إدراكها ، دون أن تضيع في جهود غير نافعة ، بل وهي تزيد في ما للنفس من علم بالتدريج0 رينيه ديكارت (1968 :145)

و هذه القواعد هي:

1- قاعدة اليقين:

ومعناها ألا نثق في شيء ما إلا بعد إعمال الذهن فيه والتأكد من صوابيته ، بحيث يسلم به كل زي عقل سليم فلا يشك فيه أو يرفضه وهذا ممكن عن طريق مراعاة ثلاثة مبادئ :-

‏ا - تجنب التسرع في الاحكام .

‏ب- عدم الميل مع الهوى .

‏ج - عدو قبول شيء غير بديهي .

2- قاعة التحليل:

ومعناها ان نقسم المشكلة أو الفكرة المستعصية على الفهم إلى عناصرها البسيطة المكونة لها او التي تنحل إليها ، بحيث نتمكن من فهمها عن طريق البداهة او الاستنباط ومن ثمة نستنتج الحل المناسب لها ، وقد لا تحل المشكلة كليأ بمجرد تحليلها إلى عناصرها وتبقى مستعصية على الفهم والحل في بعض أجز ائها فينصب والحال هذه اهتمامنا على هذه الأجزاء للتمكن من فهمها0

3-قاعدة التأليف أو التركيب:

وهي كناية عن التأليف من جديد تأليفأ رياضيأ بين عناصر الفكرة او المشكلة التي قمنا بتحليلها بأبسط العناصر ، فالاقل بساطة ، وليس من الضروري إعادة ترتيب الفكرة أو المشكلة كما كانت عليه من قبل وإنما لنا ان نبدل في هذاالتراتب إذا كان ذلك يساعد على الفهم والحل0

2- قاعدة الإستقراء التام أو الإحصاء الشامل:

وهي تعني عدم إغفال دراسة اي حد اوعنصرهن عناصرالمشكلة موضوع البحث ، وذلك بغية إدراك العلاقة القائمة بين الحدود واستنباط الحكم النهائي الذي يبلغ مرتبة البداهة من حيث اليقين 0

ومن ما سبق يمكن القول أن فلسفة ديكارت تعتبر المحرك الرئيسي للفكر الفلسفي الحديث ،و أن ديكارت يُنظر إليه على أنه أبو الفلسفة الحديثة، و هذا الوصف يرجع إلى كونه قد افتتح طريقة جديدة في التفلسف ووضع للفلسفة منهجاً جديداً،

وذلك خلال كيف أن هذا الوصف فيه الكثير من المبالغة، ذلك لأنه قد وضح من استعراضنا لفلسفته أنها ليست بجديدة تماماً بل ظلت تؤكد على نفس الحقائق المعروفة في الفلسفات السابقة عليها وبالأخص فلسفة العصور الوسطى، ووجود الذات المفكرة ووجود الإله والتمييز بين النفس والجسم وإثبات خلود النفس، وبذلك تكون فلسفة ديكارت فلسفة تقليدية لكن بثوب جديد، وليست ثورية بالمرة لكن في إطار مجدد وثوري يتمثل في طريقة ديكارت الجديدة في الشك المنهجي وقواعد منهجه الأربعة، وهناك الكثير من أتى بعده يعارضه وينقده ولا يستعير منه سوى منهجه،والحقيقة أننا يجب أن نفهم من عبارة أبو الفلسفة الحديثة معنى جديداً، يمكن أن يكون حرفياً، إنه أبو الفلاسفة الحديثة بالمعنى الذي نفهمه من آباء الكنيسة، ذلك لأن تأملات ديكارت ذات طابع ديني واضح للغاية، وهو بهذا المعنى أب بالمعنى الديني الكنسي للفلسفة الحديثة، لأنه صنع لنا فلسفة توفق بين الدين والعقل وتتوصل إلى نفس المعتقدات الدينية عن طريق العقل والبرهان، إنه بذلك يكون الأب في الفلسفة الحديثة، أي مؤسس الدين ومثبت وجود الإله وخلود النفس في الفلسفة الحديثة، وسوف تظل الفلسفات اللاحقة له ثورة مستمرة عليه على الأب الذي صنع من الفلسفة لاهوتاً رفض كل الفلاسفة اللاحقين الانتساب إليها وعملوا على الفصل الدائم بينهما، ما عدا بعض المفكرين الذين ساروا في إتجاهه مثل لايبنتز وباسكال ومالبرانش.



























































المراجع :

1- ابراهيم مصطفي ابراهيم (1986) :الفلسفة الحديثة من ديكارت الي هيوم – دار اوفاء لدنيا النشر و الطباعة :الإسكندرية 0

2- ابن سينا (1947):الإشارات و التنبيهات ،تحقيق سليمان دنيا0

3- ابن سينا ،النجاة،القاهرة0

4- إبن حزم ،الملل و النحل،القاهرة0

5- أبو حامد الغزالي(1927):تهافت الفلاسفة:بيروت0

6- أمين عثمان (1969):ديكارت،الطبعة السادسة،مكتبة الأنجلو المصرية:القاهرة0

7- برتراند رسل(1947):مشاكل الفلسفة ،ترجمة محمد عماد الدين اسماعيل وعطية هنا،الطبعة الأولي0

8- برتراند رسل (1977):تاريخ الفلسفة الغربية- الفلسفة الحديثة،ترجمة محمد فتحي الشنيطي،الهيئة المصرية للكتاب0

9- جاك ماريتان (1963):جدوي الفلسفة :بيروت0

10- راوية عبد المنعم عباس: (1987): الفلسفة الحديثة و النصوص،دار المعرفة الجامعية :الإسكندرية0

11- ريتشارد شاخت(1997):رواد الفلسفة الحديثة،ترجمة أحمد حمدي محمود، الهيئة المصرية العامة للكتاب:القاهرة0

12- رينيه ديكارت(1960):مبادئ الفلسفة الأولي ،ترجمة عثمان أمين :القاهرة0

13- رينيه ديكارت (1968):مقال عن المنهج،ترجمة محمود محمد الخضيري،الطبعة الثانية ،دار الكاتب العربي:القاهرة0

14- رينيه ديكارت (1977):تأملات ميتافيزيقية في الفلسفةالأولي،ترجمة كمال الحاج،الطبعة الثانية،منشورات عويدان:بيروت0

15- رينيه ديكارت،تأملات في افلسفة الأولي ،ترجمة عثمان أمين0

16- زكي نجيب محمود و أحمد أمين (1959):قصة الفلسفة الحديثة،مكتبة النهضة المصرية:القاهرة0

17- عبد الرحمن بدوي(1975):مدخل جديد الي الفلسفة،الطبعة الأولي،وكالة المطبوعات:الكويت0

18- عبد اللطيف محمد العبد (1406هـ): أضواء علي الفلسة العامة،الطبعة الأولي،دار الثقافة العربية:القاهرة

19- عثمان أمين (1975):رواد المثالية في الفلسفة الغربية ،الطبعة الثانية،دار الثقافة للطباعة و النشر:القاهرة0

20- علي عبد المعطي محمد (1995):تيارات فلسفية حديثة،دار المعرفة الجامعية:الإسكندرية0

21- محمد توفيق الضوي(1998):الفلسفة الحديثة في القرنين السابع و الثامن عشر،دار الكتب الجامعية الحديثة ،شبين الكوم0

22- محمد عبد الرحمن البيصار(1400هـ) :تأملات في الفلسفة الحديثة و المعاصرة،الطبعة الثالثة،صيدا:بيروت0

23- محمود حمدي زقزوق(1403):المنهج الفلسفي بين الغزالي و ديكارت،الطبعة الثالثة، دار القلم:الكويت0

24- محمود حمدي زقزوق(1409):دور الإسلام في تطوير الفكر الفلسفي،الطبعة الأولي،دار المنار:القاهرة0

25- محمد مصطفي حلمي (1968):مقدمة كتاب ،المقال عن المنهج ،ترجمة محمود محمد الخضيري ،الطبعة الثانية ، دار الكتاب العربي: القاهرة0

26- مهدي فضل الله (1986):فلسفة ديكارت و منهجه دراسة تحليلية نقدية، الطبعة الثانية،دار الطليعة للطباعة و النشر 0

27- نور الدين حاطوم(1387):تاريخ عصر النهضة الأوربية،الطبعة الأولي،دار الفكر0

28- يوسف كرم(1986): تاريخ الفلسفة الحديثة،الطبعة الخامسة،دار المعارف:القاهرة0
Millet.Histoire de Descartes avant 1637,paris,a867,p74.-



smsma
مستجد
مستجد

عدد الرسائل : 14
العمر : 36
التميز الشخصي/الهوايات : الرياضة
تاريخ التسجيل : 24/02/2010

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى